فَصْلٌ: وَإِنْ ضَلَّ الْمُعَيَّنُ، فَذَبَحَ غَيْرَهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، أَوْ عَيَّنَ غَيْرَ الضَّالِّ بَدَلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ وَجَدَ الضَّالَّ، ذَبَحَهُمَا مَعًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسِ، وَفَعَلَتْهُ عَائِشَةُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِنَا فِيمَا إذَا تَعَيَّبَ الْهَدْيُ، فَأَبْدَلَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ. أَوْ يَرْجِعَ إلَى مِلْكِ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ مَا فِي الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ عَطِبَ الْمُعَيَّنُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ، فَأَضَلَّتْهُمَا، فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدْيَيْنِ، فَنَحَرَتْهُمَا، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ، فَنَحَرَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ بِهِمَا بِإِيجَابِهِمَا، أَوْ ذَبْحِ أَحَدِهِمَا وَإِيجَابِ الْآخَرِ.
(2710) فَصْلٌ: وَإِنْ عَيَّنَ مَعِيبًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، لَمْ يُجْزِهِ، وَلَزِمَهُ ذَبْحُهُ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، إذَا عَيَّنَهَا مَعِيبَةً لَزِمَهُ ذَبْحُهَا، وَلَمْ يُجْزِهِ.
وَإِنْ عَيَّنَ صَحِيحًا فَهَلَكَ، أَوْ تَعَيَّبَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ ; لِأَنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا لِأَصْلِ الْهَدْيِ، إذَا لَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ التَّعْيِينِ.
وَإِنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُ الْمُعَيَّنِ ; لِأَنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا فَوَّتَهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَالْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً.
(2711) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الْإِيجَابُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ. أَوْ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ نَاوِيًا بِهِ الْهَدْيَ وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَلَا يَجِبُ بِالشِّرَاءِ مَعَ النِّيَّةِ، وَلَا بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ بِالشِّرَاءِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يَجِبْ بِالنِّيَّةِ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ.
(2712) فَصْلٌ: إذَا غَصَبَ شَاةً، فَذَبَحَهَا عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، لَمْ يُجْزِهِ، سَوَاءٌ رَضِيَ مَالِكُهَا أَوْ لَمْ يَرْضَ، أَوْ عَوَّضَهُ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ إنَّ رَضِيَ مَالِكُهَا.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يَصِرْ قُرْبَةً فِي أَثْنَائِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ ثُمَّ نَوَى بِهِ التَّقْرِيبَ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ نَوَاهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
(2713) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ سَاقَهُ تَطَوُّعًا، نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ، وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بِهَدْيِ غَيْرِ وَاجِبٍ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنْ يَنْوِيَهُ هَدْيًا، وَلَا يُوجِبُ بِلِسَانِهِ وَلَا بِإِشْعَارِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ إمْضَاؤُهُ، وَلَهُ أَوْلَادُهُ وَنَمَاؤُهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ، مَا لَمْ يَذْبَحْهُ ; لِأَنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ.
الثَّانِي، أَنْ يُوجِبَهُ بِلِسَانِهِ، فَيَقُولَ: هَذَا هَدْيٌ. أَوْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ، يَنْوِي بِذَلِكَ إهْدَاءَهُ، فَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا، يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ، وَيَصِيرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ، يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إلَى مَحِلِّهِ، فَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، أَوْ سَوْقٍ، أَوْ ضَلَّ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ، إنَّمَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْعَيْنِ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا، كَالْوَدِيعَةِ.
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا، ثَمَّ ضَلَّتْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا، فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ} .
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا، ثَمَّ عَطِبَ فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ كَانَ