فَيَجِبُ قَصْرُهَا عَلَى مَحَلِّهَا، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِهِ فَرْعُ التَّعْلِيلِ، وَمِنْ شَرْطِهِ كَوْنُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا، وَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ آكَدُ، وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ، وَسَبَبُهُ غَيْرُ سَبَبِ غَسْلِ الْيَدِ.
(128) فَصْلٌ: وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ تَوَضَّأَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، يَغْمِسُ فِيهِ أَعْضَاءَهُ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ نُومِ اللَّيْلِ، صَحَّ غُسْلُهُ وَوُضُوءُهُ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي غَسْلِهَا ; لِأَنَّ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْعُضْوِ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ الْحَدَثِ، فَلَوْ غَسَلَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَهُ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ نَجِسٌ، لَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَبَقَاءُ الْحَدَثِ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ حَدَثٍ آخَرَ ; بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ الْجُنُبُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَوْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى، صَحَّتْ الْمَنْوِيَّةُ دُونَ غَيْرِهَا، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ شَبَهِهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
(129) فَصْلٌ: إذَا وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا لَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِفِيهِ وَيَصُبُّ عَلَى يَدِهِ. وَهَكَذَا لَوْ أَمْكَنَهُ غَمْسُ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَصَبُّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَعَلَ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ ; لِئَلَّا يَنْجُسَ الْمَاءُ وَيَتَنَجَّسَ بِهِ. فَإِنْ كَانَ لَمْ يَغْسِلْ يَدَيْهِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ تَوَضَّأَ مِنْهُ، عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْمَاءَ بَاقِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ. وَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَعْمَلًا، قَالَ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ. وَلَوْ اسْتَيْقَظَ الْمَحْبُوسُ مِنْ نَوْمِهِ فَلَمْ يَدْرِ ; أَهُوَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ.
ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَسْنُونَةٌ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا. رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِيهَا كُلِّهَا ; الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَالتَّيَمُّمِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحْسَنُ. وَهَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ وُضُوءُهُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّهَا طَهَارَةٌ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى التَّسْمِيَةِ، كَالطَّهَارَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ، أَوْ عِبَادَةٌ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا التَّسْمِيَةُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ; وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَالْأَحَادِيثِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ضَعَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ فِي التَّسْمِيَةِ، وَقَالَ: أَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رُبَيْحٍ - يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ - ثُمَّ ذَكَرَ رُبَيْحًا، أَيْ مَنْ هُوَ ؟ وَمَنْ أَبُوهُ ؟ فَقَالَ: يَعْنِي الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. يَعْنِي أَنَّهُمْ مَجْهُولُونَ، وَضَعَّفَ إسْنَادَهُ. وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ وَنَفْيِ الْكَمَالِ بِدُونِهَا، كَقَوْلِهِ: {لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ} .
(131) فَصْلٌ: وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَتَرَكَهَا عَمْدًا، لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الطَّهَارَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ. وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا صَحَّتْ طَهَارَتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ قَالَ.
سَأَلْت