فهرس الكتاب

الصفحة 3822 من 3896

مُنَفِّذٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرَ، لَمْ يَصِرْ إلَى نَصِيبِ الْمُقِرِّ ; لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ لِغَيْرِهِ، وَفِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ إلَيْهِ إبْطَالُ سَبَبِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.

(8728) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْ السَّفَرِ)

.وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ. وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرٍ تَحِلُّ نُجُومُ كِتَابَتِهِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ النُّجُومِ فِي وَقْتِهَا، وَالرُّجُوعُ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ فَمُنِعَ مِنْهُ، كَالْغَرِيمِ الَّذِي يَحِلُّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ: لَهُ السَّفَرُ.

وَفِي قَوْلٍ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فِيهَا قَوْلَانِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، إنَّمَا هِيَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ; فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ: لَهُ السَّفَرُ. إذَا كَانَ قَصِيرًا ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ مِنْهُ، إذَا كَانَ بَعِيدًا، يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ نُجُومِهِ، وَالرُّجُوعُ فِي رِقِّهِ عِنْدَ عَجْزِهِ.

وَلَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ الْمَدِينَ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَيَبْطُلُ بِالْحُرِّ الْغَرِيمِ.

(8729) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ لَا يُسَافِرَ، فَقَالَ الْقَاضِي: الشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ، كَشَرْطِ تَرْكِ الِاكْتِسَابِ، وَلِأَنَّهُ غَرِيمٌ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُ تَرْكِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ رَجُلٌ قَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسَافِرَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ.} وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ، فَلَزِمَ كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْدًا مَعْلُومًا. وَبَيَانُ فَائِدَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ إبَاقَهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى سَيِّدِهِ، فَيَفُوتُ الْعَبْدُ وَالْمَالُ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ الْقَرْضَ فَإِنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ جَانِبِ الْمُقْرِضِ، مَتَى شَاءَ طَالَبَ بِأَخْذِهِ، وَمَنَعَ الْغَرِيمَ السَّفَرَ قَبْلَ إيفَائِهِ فَكَانَ الْمَنْعُ مِنْ السَّفَرِ حَاصِلًا بِدُونِ شَرْطِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ السَّيِّدَ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ إلَّا بِشَرْطِهِ وَفِيهِ حِفْظُ عَبْدِهِ وَمَالِهِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَحْصِيلِهِ. وَهَذَا أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَوْلَى.

فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ، فَإِنْ سَافَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَهُ رَدُّهُ إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ تَعْجِيزَهُ، وَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفِ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ كِتَابَةً صَحِيحَةً، لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَعْجِيزَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ.

(8730) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إنْ رَأَيْتَهُ يَسْأَلُ تَنْهَاهُ. فَإِنْ قَالَ: لَا أَعُودُ. لَمْ يَرُدَّهُ عَنْ كِتَابَتِهِ فِي مَرَّةٍ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لَازِمٌ، وَأَنَّهُ إنْ خَالَفَ مَرَّةً، لَمْ يُعَجِّزْهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا رَآهُ يَسْأَلُ مَرَّةً فِي مَرَّةٍ، عَجَّزَهُ، كَمَا إذَا حَلَّ نَجْمٌ فِي نَجْمٍ، عَجَّزَهُ. فَاعْتَبَرَ الْمُخَالَفَةَ فِي مَرَّتَيْنِ كَحُلُولِ نَجْمَيْنِ. وَإِنَّمَا صَحَّ الشَّرْطُ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت