لِلْمُجَامِعِ: (أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) . وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} .
وَقَالَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: {إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} . وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَجَمَعَ الْمَسَاكِينَ، وَوَضَعَ جِفَانًا فَأَطْعَمَهُمْ. وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ أَطْعَمَهُمْ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُمْ أَجْزَأْهُ، وَإِنْ أَطْعَمَهُمْ دُونَ ذَلِكَ فَأَشْبَعَهُمْ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ مَا وَجَبَ لَهُمْ.
(2067) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ، مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَفِي الْأَقِطِ وَجْهَانِ، وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي السَّوِيقِ فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ، كَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْأُرْزِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يُجْزِئُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ. وَالثَّانِي، يُجْزِئُ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَرِدْ تَقْيِيدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ مِنْ طَعَامِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ طَعَامُهُ بُرًّا فَأَطْعَمَهُ مِنْهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ.
(2068) فَصْلٌ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا دَفَعَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَ، وَأَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، قَالَ: (أَطْعِمْهُ أَهْلَك) . وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى. وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ التَّكْفِيرِ، وَهَذَا خَاصٌّ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ، لَا يَتَعَدَّاهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْسَارِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَرَقَ، وَلَمْ يُسْقِطْهَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ. وَهَذَا رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لَا تُسْمَعُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْزِهِ فَلَمْ يُسْقِطْهَا. قُلْنَا: قَدْ أَسْقَطَهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ; لِأَنَّهُ اطِّرَاحٌ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ، وَالنَّصُّ أَوْلَى، وَالِاعْتِبَارُ بِالْعَجْزِ فِي حَالَةِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ حَالَةُ الْوَطْءِ.
(2069) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ جَامَعَ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ ثَانِيًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةُ تُجْزِئُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ