وَمُقَيَّدًا عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ خَوْفٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ. وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ كَانَ آمِنًا حَالَ نُطْقِهِ بِهِ، حُكِمَ بِرِدَّتِهِ. فَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَأْكُلُهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، كَمَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا.
وَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ: أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ. أَوْ أَقَرَّ بِرِدَّتِهِ، حُرِمَ مِيرَاثَهُ ; لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيُدْفَعُ إلَى مُدَّعِي إسْلَامِهِ قَدْرُ مِيرَاثِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ، وَيُدْفَعُ الْبَاقِي إلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ، وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمَوْرُوثِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
(7117) فَصْلٌ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا يَقُولَهَا، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ; لِمَا رَوَى خَبَّابٌ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قَبْلِكُمْ لَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ، وَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.} وَجَاءَ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ الْكُفَّارِ، أَخَذَ قَوْمًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَلْقُوهُ فِي النَّارِ. فَجَعَلُوا يُلْقُونَهُمْ فِيهَا، حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ عَلَى كَتِفِهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ.
فَذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُؤْسَرُ، فَيُعْرَضُ عَلَى الْكُفْرِ، وَيُكْرَهُ عَلَيْهِ، أَلَهُ أَنْ يَرْتَدَّ ؟ فَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عِنْدِي الَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُولَئِكَ كَانُوا يُرَادُونَ عَلَى الْكَلِمَةِ ثُمَّ يُتْرَكُونَ يَعْمَلُونَ مَا شَاءُوا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَرْكِ دِينِهِمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا ثُمَّ يُخَلَّى، لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَهَذَا الْمُقِيمُ بَيْنَهُمْ، يَلْتَزِمُ بِإِجَابَتِهِمْ إلَى الْكُفْرِ الْمُقَامِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً تَزَوَّجُوهَا، وَاسْتَوْلَدُوهَا أَوْلَادًا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ، وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْمَصِيرُ إلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ.
(7118) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ، لَمْ يُقْتَلُ حَتَّى يُفِيقَ، وَيَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ فِي سُكْرِهِ، مَاتَ كَافِرًا)
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِدَّةِ السَّكْرَانِ ; فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تَصِحُّ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَصْدِ، وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ وَلَا قَصْدُهُ، فَأَشْبَهَ الْمَعْتُوهَ، وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، فَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ كَالنَّائِمِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ كَالْمَجْنُونِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ، وَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ اسْتِتَابَتُهُ.