نَاقَتِهِ: اُلْقُطْ لِي حَصًى. فَلَقَطْت لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا. {ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَك مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ} . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَكَانَ ذَلِكَ بِمِنًى، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَخْذُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ، وَالْتِقَاطُ الْحَصَى أَوْلَى مِنْ تَكْسِيرِهِ ; لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِي التَّكْسِيرِ أَنْ يَطِيرَ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْحَصَيَاتُ كَحَصَى الْخَذْفِ ; لِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِقَوْلِ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ: كُلُّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ. وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إذَا رَأَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْأَثْرَمُ: يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْمِي بِمِثْلِ بَعْرِ الْغَنَمِ. فَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْحَصَى عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَنَهَى عَنْ تَجَاوُزِهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْكَبِيرِ رُبَّمَا آذَى مَنْ يُصِيبُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُجْزِئُهُ مَعَ تَرْكِهِ لِلسُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَمَى بِالْحَجَرِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الصَّغِيرِ.
(2531) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الرَّامِيَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ، مِنْ الْمَرْمَرِ، أَوْ الْبِرَامِ، أَوْ الْمَرْوِ، وَهُوَ الصَّوَّانُ، أَوْ الرُّخَامِ، أَوْ الْكَذَّانِ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ الرُّخَامُ وَلَا الْبِرَامُ وَالْكَذَّانُ. وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ، أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَرْوُ وَلَا حَجَرُ الْمِسَنِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ. وَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، أَنَّهَا رَمَتْ الْجَمْرَةَ وَرَجُلٌ يُنَاوِلُهَا الْحَصَى، تُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فَرَمَتْ بِخَاتَمِهَا.
وَلَنَا، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى بِالْحَصَى، وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ} ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَدْخُلُ الْقِيَاسُ فِيهِ.
(2532) فَصْلٌ: وَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أُخِذَ مِنْ الْمَرْمِيِّ لَمْ يُجْزِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ حَصًى، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمِيِّ. وَقَالَ: {خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ} . وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الرَّمْيُ بِمَا رُمِيَ بِهِ، لَمَا احْتَاجَ أَحَدٌ إلَى أَخْذِ الْحَصَى مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ، وَلَا تَكْسِيرِهِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا يُقْبَلُ مِنْهَا يُرْفَعُ. وَإِنْ رَمَى بِخَاتَمِ فِضَّةٍ حَجَرًا، لَمْ يُجْزِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَالرَّمْيُ بِالْمَتْبُوعِ لَا بِالتَّابِعِ.
(2533) مَسْأَلَة: قَالَ: (وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَغْسِلَهُ)
اخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَهُ، وَكَانَ طَاوُسٌ يَفْعَلُهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَحَرَّى سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ. وَهَذَا الصَّحِيحُ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِك، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا لُقِطَتْ لَهُ الْحَصَيَاتُ، وَهُوَ رَاكِبٌ