فهرس الكتاب

الصفحة 3696 من 3896

بِالشُّبُهَاتِ، فَوُجُوبُ الْمَالِ أَوْلَى.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا الْمَالَ. يَبْطُلُ بِمَا إذَا شَهِدَا بِعِتْقِهِ، فَإِنَّ الرِّقَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَزُولُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَإِنَّمَا حَالَا بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَهُ، وَفِي مَوْضِعِ إتْلَافِ الْمَالِ، فَهُمَا تَسَبَّبَا إلَى تَلَفِهِ، فَيَلْزَمُهُمَا ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِمَا، كَشَاهِدَيْ الْقِصَاصِ، وَشُهُودِ الزِّنَى، وَحَافِرِ الْبِئْرِ، وَنَاصِبِ السِّكِّينِ.

(8457) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، غَرِمَا قِيمَتَهُ)

أَمَّا إذَا شَهِدَا بِالْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ; لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ.

وَإِنْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ، لَزِمَهُمَا غَرَامَةُ قِيمَتِهَا لَسَيِّدِهِمَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا هُوَ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ وَافَقَ هَاهُنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ، فَإِنَّ إخْرَاجَ الْعَبْدِ عَنْ يَدِ سَيِّدِهِ بِالشَّهَادَةِ بِحُرِّيَّتِهِ، كَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا بِالشَّهَادَةِ بِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ، فَإِذَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ ثَمَّ، لَزِمَهُ هَاهُنَا، وَغَرِمَا الْقِيمَةَ ; لِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ، لَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ.

(8458) فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ تَبِينُ بِهِ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ، وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْبُضْعَ، فَلَزِمَهُمَا عِوَضُهُ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، لَزِمَهُمَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ. وَلَنَا أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعَ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ; بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا، أَوْ إسْلَامِهَا، أَوْ قَتْلِهَا نَفْسَهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضْمَنُ شَيْئًا. وَلَوْ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، بِرَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى ; لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَقَرَارِهِ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ عَلَيْهِمَا، كَمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مِنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: إنَّهُ مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ. غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ الْبُضْعَ لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ نِصْفِهِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِهِ، وَالصَّدَاقَ وَاجِبٌ جَمِيعُهُ، وَلِهَذَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْهُ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا، وَتَمْلِكُ طَلَبَهُ إذَا لَمْ تَقْبِضْهُ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْفُرْقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، عَلَيْهِمَا ضَمَانُ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ ; لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ نِكَاحًا وَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ عِوَضٌ، فَكَانَ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا وَجَبَ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُمَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ; لِأَنَّهُمَا قَرَّرَا عَلَيْهِ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَكَانَ بِعَرَضِ السُّقُوطِ، وَهَا هُنَا قَدْ تَقَرَّرَ الْمَهْرُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ، فَلَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجَا مِنْ مِلْكِهِ مُتَقَوِّمًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَاهُ مِنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا، أَوْ أَخْرَجَتْهُ هِيَ بِرِدَّتِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت