الشَّرْطُ السَّادِسُ، أَنْ يَكُونَ ذَا مُرُوءَةٍ. الشَّرْطُ السَّابِعُ، انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ. وَسَنَشْرَحُ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي مَوَاضِعِهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(8359) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَشَهَادَةَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَلَى الْبَدَوِيِّ، صَحِيحَةٌ إذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ. فَيَحْتَمِلَ هَذَا أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَمَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا، فِيمَا عَدَا الْجِرَاحَ، وَكَقَوْلِ الْبَاقِينَ فِي الْجِرَاحِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، فِي"سُنَنِهِ"، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ} . وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، حَيْثُ عَدَلَ عَنْ أَنْ يُشْهِدَ قَرَوِيًّا وَيُشْهِدَ بَدَوِيًّا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أَرَى شَهَادَتَهُمْ رُدَّتْ إلَّا لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْجَفَاءِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَفَاءِ فِي الدِّينِ. وَلَنَا، أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ، كَأَهْلِ الْقُرَى، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ، وَنَخُصُّهُ بِهَذَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ، فَيَعْرِفُ عَدَالَتَهُ.
(8360) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَإِسْحَاقَ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الَّذِي تَعْتَدِلُ أَحْوَالُهُ فِي دِينِهِ وَأَفْعَالِهِ. قَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْأَحْكَامِ. أَمَّا الدِّينُ فَلَا يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً، وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى صَغِيرَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ، وَلَا يُجَرِّحُهُ عَنْ الْعَدَالَةِ فِعْلُ صَغِيرَةٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ} .
قِيلَ: اللَّمَمُ صِغَارُ الذُّنُوبِ. وَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا ؟} أَيْ لَمْ يُلِمَّ. فَإِنَّ"لَا"مَعَ الْمَاضِي بِمَنْزِلَةِ"لَمْ"مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ. وَقِيلَ: اللَّمَمُ أَنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ لَا يَعُودَ فِيهِ. وَالْكَبَائِرُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ، وَالْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرَ ؟ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ