فهرس الكتاب

الصفحة 697 من 3896

قَالَ: {فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ، فِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ.}

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الرَّأْسِ عَشَرَةً، وَمِنْ الْفَرَسِ عَشَرَةً، وَمِنْ الْبِرْذَوْنِ خَمْسَةً. وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يُطْلَبُ نَمَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ السَّوْمِ، أَشْبَهَ النَّعَمَ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ {: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي فَرَسِهِ وَلَا فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ.} وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ.} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، فِي"الْغَرِيبِ"، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: لَيْسَ فِي الْجَبْهَةِ، وَلَا فِي النُّخَّةِ، وَلَا فِي الْكُسْعَةِ صَدَقَةٌ.} وَفَسَّرَ الْجَبْهَةَ بِالْخَيْلِ، وَالنُّخَّةَ بِالرَّقِيقِ، وَالْكُسْعَةَ بِالْحَمِيرِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: النُّخَّةُ: بِضَمِّ النُّونِ: الْبَقَرُ الْعَوَامِلُ.

وَلِأَنَّ مَا لَا زَكَاةَ فِي ذُكُورِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَإِنَاثِهِ الْمُفْرَدَةِ، لَا زَكَاةَ فِيهِمَا إذَا اجْتَمَعَا، كَالْحَمِيرِ. وَلِأَنَّ مَا لَا يُخْرَجُ زَكَاتُهُ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ السَّائِمَةِ لَا تَجِبُ فِيهِ، كَسَائِرِ الدَّوَابِّ، وَلِأَنَّ الْخَيْلَ دَوَابُّ، فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، كَسَائِرِ الدَّوَابِّ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا، كَالْوُحُوشِ.

وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ غَوْرَكُ السَّعْدِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا عُمَرُ فَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا تَبَرَّعُوا بِهِ، وَسَأَلُوهُ أَخْذَهُ، وَعَوَّضَهُمْ عَنْهُ بِرِزْقِ عَبِيدِهِمْ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَارِثَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إلَى عُمَرَ فَقَالُوا: إنَّا قَدْ أَصَبْنَا مَالًا وَخَيْلًا وَرَقِيقًا، نُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَنَا فِيهَا زَكَاةٌ وَطَهُورٌ. قَالَ: مَا فَعَلَهُ صَاحِبَايَ قَبْلِي، فَأَفْعَلُهُ فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ فَقَالَ: هُوَ حَسَنٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جِزْيَةً يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: فَكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَرْزُقُ عَبِيدَهُمْ،.

فَصَارَ حَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا، قَوْلُهُ: مَا فَعَلَهُ صَاحِبَايَ. يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَا فِعْلَهُ. الثَّانِي، أَنَّ عُمَرَ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْوَاجِبِ. الثَّالِثُ، قَوْلُ عَلِيٍّ: هُوَ حَسَنٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جِزْيَةٌ يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ.

فَسَمَّى جِزْيَةً إنْ أُخِذُوا بِهَا، وَجَعَلَ حُسْنَهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ أَخْذِهِمْ بِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَخْذَهُمْ بِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. الرَّابِعُ، اسْتِشَارَةُ عُمَرَ أَصْحَابَهُ فِي أَخْذِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا احْتَاجَ إلَى الِاسْتِشَارَةِ. الْخَامِسُ، أَنَّهُ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ أَحَدٌ سِوَى عَلِيٍّ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَشَارُوا بِهِ. السَّادِسُ، أَنَّ عُمَرَ عَوَّضَهُمْ عَنْهُ رِزْقَ عَبِيدِهِمْ، وَالزَّكَاةُ لَا يُؤْخَذُ عَنْهَا عِوَضٌ

وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى النَّعَمِ ; لِأَنَّهَا يَكْمُلُ نَمَاؤُهَا، وَيُنْتَفَعُ بِدَرِّهَا وَلَحْمِهَا، وَيُضَحَّى بِجِنْسِهَا، وَتَكُونُ هَدْيًا، وَفِدْيَةً عَنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِهَا، وَيُعْتَبَرُ كَمَالُ نِصَابِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا، وَالْخَيْلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

(1738) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالصَّدَقَةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ)

وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ:"إلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ". وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ تَامِّ الْمِلْكِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَلَى الْعَبْدِ زَكَاةُ مَالِهِ. وَلَنَا، أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِتَامِّ الْمِلْكِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاةٌ، كَالْمُكَاتَبِ.

فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَمَتَى صَارَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ، اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا ثُمَّ زَكَّاهُ، فَأَمَّا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إذَا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عَنْ دَيْنٍ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، أَوْ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت