مَحَلِّ الْمَشَقَّةِ، فَتُعْتَبَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، كَمَا جَازَ الِاسْتِجْمَارُ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ، وَأَمَّا الْمَذْيُ فَمُعْتَادٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَوْلِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاكَ مَاءُ الْفَحْلِ، وَلِكُلِّ فَحْلٍ مَاءٌ.} وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ ; وَلِهَذَا أَوْجَبَ مَالِكٌ مِنْهُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ لَا يُوجِبُهُ مِنْ النَّادِرِ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا، وَيَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ مِنْهُ وَالْأُنْثَيَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تَعَبُّدًا. وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِهِ لِلِاسْتِحْبَابِ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ مَا يَخْرُجُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(211) فَصْلٌ: وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِيَمِينِهِ، لِقَوْلِ سَلْمَانَ فِي حَدِيثِهِ: {إنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي مِنْ غَائِطٍ أَخَذَ الْحَجَرَ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي مِنْ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْحَجَرُ كَبِيرًا، أَخَذَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَضَعَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيَمْسَحُ ذَكَرَهُ عَلَيْهِ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، أَمْسَكَهُ بِيَمِينِهِ، وَمَسَحَ بِيَسَارِهِ ; لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ. وَقِيلَ: يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمْسَحُ بِشِمَالِهِ ; لِيَكُونَ الْمَسْحُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ} . وَإِذَا أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِالْيَمِينِ، وَمَسَحَ الذَّكَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ مَاسِحًا بِالْيَمِينِ، وَلَا مُمْسِكًا لِلذَّكَرِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى، أَوْ بِهَا مَرَضٌ، اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ ; لِلْحَاجَةِ. وَلَا يُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهَا فِي الْمَاءِ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ. وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ، أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَمْ يُفِدْ مَقْصُودَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِالرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّوْثَ آلَةُ الِاسْتِجْمَارِ الْمُبَاشِرَةُ لِلْمَحَلِّ وَشَرْطُهُ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيهَا، وَالْيَدُ لَيْسَتْ الْمُبَاشِرَةَ لِلْمَحَلِّ وَلَا شَرْطًا فِيهِ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِهَا الْحَجَرَ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ، فَصَارَ النَّهْيُ عَنْهَا نَهْيَ تَأْدِيبٍ، لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
(212) فَصْلٌ: وَيَبْدَأُ الرَّجُلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْقُبُلِ ; لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يَدُهُ إذَا شَرَعَ فِي الدُّبُرِ ; لِأَنَّ قُبُلَهُ بَارِزٌ تُصِيبُهُ الْيَدُ إذَا مَدَّهَا إلَى الدُّبُرِ، وَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ فِي الْبِدَايَةِ بِأَيِّهِمَا شَاءَتْ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ الْبَوْلِ قَلِيلًا، وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَصْلِ الذَّكَرِ مِنْ تَحْتِ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ يَسْلِتَهُ إلَى رَأْسِهِ فَيَنْتُرُ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا بِرِفْقٍ. قَالَ أَحْمَدُ إذَا تَوَضَّأْت فَضَعْ يَدَك فِي سِفْلَتِك، ثُمَّ اسْلِتْ مَا ثَمَّ حَتَّى يَنْزِلَ، وَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ هَمِّك، وَلَا تَلْتَفِت إلَى ظَنِّك.
وَقَدْ رَوَى يَزْدَادُ الْيَمَانِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ثُمَّ فَرَغَ، اُسْتُحِبَّ لَهُ دَلْكُ يَدِهِ بِالْأَرْضِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ {مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ.} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ اسْتَنْجَى مِنْ تَوْرٍ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ.} أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَإِنْ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ، جَازَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِطَاعُهُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ الْبَوْلَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الِاسْتِنْجَاءُ انْتِقَاصَ الْمَاءِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْضَحَ عَلَى فَرْجِهِ وَسَرَاوِيلِهِ ; لِيُزِيلَ الْوَسْوَاسَ عَنْهُ.
قَالَ حَنْبَلُ: سَأَلْت أَحْمَدَ قُلْت: أَتَوَضَّأُ وَأَسْتَبْرِئُ، وَأَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَحْدَثْت بَعْدُ، قَالَ: إذَا تَوَضَّأْت فَاسْتَبْرِئْ، وَخُذْ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَرُشَّهُ عَلَى فَرْجِك، وَلَا تَلْتَفِت إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إذَا تَوَضَّأْت فَانْتَضِحْ} . وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يُجْزِئُ إلَّا الْأَحْجَارُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْأَحْجَارِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ; وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ رُخْصَةٍ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهَا بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، كَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ.