فهرس الكتاب

الصفحة 3302 من 3896

الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَقَامَ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ أَخَذَ فِي الْخُرُوجِ، فَأَدْرَكُوهُ وَتَبِعُوهُ، قَاتَلَهُمْ، وَبَطَلَ الْأَمَانُ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْمُقَامَ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، فَأَمَّا إنْ أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا قَدَرَ، عَلَيْهِ وَيَسْرِقَ وَيَهْرَبَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ، وَشَرَطُوا عَلَيْهِ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ، لَزِمَهُ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ} .

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ فَأَمَّا إنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَنْ يَسْرِقَ وَيَهْرَبَ وَيَقْتُلَ، لِأَنَّ كَوْنَهُ رَقِيقًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَقْتَضِ أَمَانًا لَهُ مِنْهُمْ، وَلَا لَهُمْ مِنْهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَإِنْ أَحَلَفُوا عَلَى هَذَا، فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْيَمِينِ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَحَنِثَ، كَفَّرَ يَمِينَهُ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِقَامَةُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُلْزِمُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ.

(7621) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى الْأَسِيرُ شَيْئًا مُخْتَارًا، أَوْ اقْتَرَضَهُ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْأَسِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ أَكْرَهُوهُ عَلَى قَبْضِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَيْهِمْ إنْ كَانَ بَاقِيًا، لِأَنَّهُمْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَإِنْ قَبَضَهُ بِاخْتِيَارِهِ، ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَإِنْ بَاعَهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ لَزِمَهُ رَدُّهَا، لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَإِنْ عَدِمَتْ الْعَيْنُ، رَدَّ قِيمَتَهَا.

(7622) مَسْأَلَةٌ قَالَ (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ كَافِرَيْنِ، وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ خَشِيَ الْأَسْرَ، قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، وَجَبَ الثَّبَاتُ، وَحَرُمَ الْفِرَارُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ} الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، فَعَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ} .

وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَاصَّةً وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِهَا، وَالْأَمْرُ مُطْلَقٌ وَخَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامٌّ، فَلَا يَجُوزُ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الثَّبَاتُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ زَادُوا عَلَيْهِ جَازَ الْفِرَارُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} .

وَهَذَا إنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ، فَهُوَ أَمْرٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} وَلَوْ كَانَ خَبَرًا عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَمْ يَكُنْ رَدُّنَا مِنْ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ إلَى غَلَبَةِ الِاثْنَيْنِ تَخْفِيفًا، وَلِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ لَا يَقَعُ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الظَّفَرَ وَالْغَلَبَةَ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ يَكُونُ الْعَدُوُّ فِيهِ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا دُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَفَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُ هَذِهِ الْآيَةَ، لَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ تَخْفِيفٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت