فهرس الكتاب

الصفحة 2957 من 3896

وَلَنَا، قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَقَوْلُهُ: {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} . يَعْنِي فِي أَخْذِ جِزْيَتِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُ بِالْمُسْلِمِ وَلَا الْكِتَابِيِّ، لِنُقْصَانِ دِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ عَنْهُمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْقُصَ دِيَتُهُ، كَنَقْصِ الْمَرْأَةِ عَنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَجُوسِيُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمِنًا ; لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ. وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ بِإِجْمَاعٍ. وَجِرَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ دِيَتِهِ. وَإِنْ قُتِلُوا عَمْدًا، أُضْعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُسْلِمِ ; لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قِيَاسًا عَلَى الْكِتَابِيِّ.

(6835) فَصْلٌ: فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، كَالتُّرْكِ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ، فَلَا دِيَةَ لَهُمْ وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ، فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ ; لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ذُو عَهْدٍ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ، فَأَشْبَهَ الْمَجُوسِيَّ.

(6836) فَصْلٌ: وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ الْكُفَّارِ إنْ وُجِدَ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ حَتَّى يُدْعَى، فَإِنْ قُتِلَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطَى أَمَانًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَيْمَانَ، فَأَشْبَهَ امْرَأَةَ الْحَرْبِيِّ وَابْنَهُ الصَّغِيرَ، وَإِنَّمَا حَرُمَ قَتْلُهُ لِتَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ أَهْلُ دِينِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; فَإِنَّ هَذَا يَنْتَقِضُ بِصِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَجَانِينِهِمْ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ عَهْدٌ، فَلَهُ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ، فَفِيهِ دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.

(6837) مَسْأَلَةٌ: ; قَالَ: (وَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ)

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ. وَحَكَى غَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْأَصَمِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: دِيَتُهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ} . وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَسُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: {دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ} . وَهِيَ أَخَصُّ مِمَّا ذَكَرُوهُ، وَهُمَا فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرْنَا مُفَسِّرًا لِمَا ذَكَرُوهُ، مُخَصَّصًا لَهُ، وَدِيَةُ نِسَاءِ كُلِّ أَهْلِ دِينٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوْضِعه.

(6838) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُسَاوِي جِرَاحُ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ، فَعَلَى النِّصْفِ)

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْرَجُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت