الدِّينَارَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ رِطْلًا مِنْ لَحْمٍ قَدْ وَصَفَهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ أَبْعَدَهُمَا أَجَلًا أَقَلُّ مِمَّا يُقَابِلُ الْآخَرَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ فِي أَجَلٍ وَاحِدٍ، جَازَ فِي أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، فَإِذَا قَبَضَ الْبَعْضَ وَتَعَذَّرَ قَبْضُ الْبَاقِي، فَفَسَخَ الْعَقْدَ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَجْعَلُ لِلْبَاقِي فَضْلًا عَنْ الْمَقْبُوضِ ; لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ، فَيُقَسِّطُ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ.
(3242) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَمَا لَا يَفْسُدُ، وَلَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ)
يَعْنِي بِالسَّلَمِ: الْمُسْلَمَ فِيهِ، بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَمَا يُسَمَّى الْمَسْرُوقُ سَرِقَةً وَالْمَرْهُونُ رَهْنًا. قَالَ إبْرَاهِيمُ: خُذْ سَلَمَك أَوْ دُونَ سَلَمَك، وَلَا تَأْخُذْ فَوْقَ سَلَمَك. وَمَتَى أَحْضَرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُحْضِرَهُ فِي مَحِلِّهِ، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ; لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِحَقِّهِ فِي مَحَلِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَالْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنْ أَبَى، قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ حَقَّك، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ. فَإِنْ امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ بِوِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْرِئَ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَيُنْظَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ضَرَرٌ، إمَّا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ، كَالْفَاكِهَةِ وَالْأَطْعِمَةِ كُلِّهَا، أَوْ كَانَ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ، كَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ ; لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِهِ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَكْلِهِ أَوْ إطْعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ.
وَهَكَذَا إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى نَهْبَ مَا يَقْبِضُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ; لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ، وَلَمْ يَأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ صِفَةٍ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، بِأَنْ يَكُونَ لَا يَتَغَيَّرُ، كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْعَسَلُ، وَلَا فِي قَبْضِهِ ضَرَرُ الْخَوْفِ، وَلَا تَحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيْهِ قَبْضُهُ ; لِأَنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ، فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ وَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ. الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يُحْضِرَهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْوُجُوبِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَحْضَرَ الْمَبِيعَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا.
(3243) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحْضِرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ، أَوْ دُونَهَا، أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا. فَإِنْ أَحْضَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ، لَزِمَ قَبُولُهُ ; لِأَنَّهُ حَقُّهُ. وَإِنْ أَتَى بِهِ دُونَ صِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ حَقِّهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ، جَازَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَمْ يَجُزْ ; لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دُونَ حَقِّهِ، وَيَزِيدَهُ شَيْئًا، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ أَفْرَدَ صِفَةَ الْجَوْدَةِ بِالْبَيْعِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ بَيْعَ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَبَيْعُ وَصْفِهِ