أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةَ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِمَا، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ. وَفِي قَطْعِ حَلَمَتَيْ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَوَى نَحْوَ هَذَا الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ: إنْ ذَهَبَ اللَّبَنُ، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا، وَإِلَّا وَجَبَتْ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ شَيْنِهِ. وَنَحْوَهُ قَالَ قَتَادَةُ: إذَا ذَهَبَ الرَّضَاعُ بِقَطْعِهِمَا، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ. وَلَنَا، أَنَّهُ ذَهَبَ مِنْهُمَا مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ بِذَهَابِهِ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهُمَا، كَالْأَصَابِعِ مَعَ الْكَفِّ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَبَيَانُ ذَهَابِ الْمَنْفَعَةِ أَنَّ بِهِمَا يَشْرَبُ الصَّبِيُّ وَيَرْتَضِعُ فَهُمَا كَالْأَصَابِعِ فِي الْكَفِّ. وَإِنْ قَطَعَ الثَّدْيَيْنِ كُلَّهُمَا، فَلَيْسَ فِيهِمَا إلَّا دِيَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ كُلَّهُ. وَإِنْ حَصَلَ مَعَ قَطْعِهِمَا جَائِفَةٌ، وَجَبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ مَعَ دِيَتِهِمَا.
وَإِنْ حَصَلَ جَائِفَتَانِ، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَثُلُثَانِ. وَإِنْ ضَرَبَهُمَا فَأَشَلَّهُمَا، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ. وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا، فَأَذْهَبَ لَبَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُلَّهُمَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِيهِمَا حُكُومَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ دِيَتُهُمَا ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِنَفْعِهِمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّهُمَا ; وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا مِنْ صَغِيرَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ، فَلَمْ يَنْزِلْ لَهَا لَبَنٌ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْجِنَايَةَ سَبَبُ قَطْعِ اللَّبَنِ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ ذَهَبَ بِاللَّبَنِ بَعْدَ وُجُودِهِ. وَإِنْ قَالُوا: يَنْقَطِعُ بِغَيْرِ الْجِنَايَةِ. لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَرْشُهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ بِالشَّكِّ.
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا، فَنَقَصَ لَبَنُهُمَا، أَوْ جَنَى عَلَى ثَدْيَيْنِ نَاهِدَيْنِ فَكَسَرَهُمَا، أَوْ صَارَ بِهِمَا مَرَضٌ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ; لِنَقْصِهِ الَّذِي نَقَصَهُمَا
(6944) فَصْلٌ: فَأَمَّا ثَدْيَا الرَّجُلِ، وَهُمَا الثُّنْدُوَتَانِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: فِيهِمَا حُكُومَةٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْجَمَالِ مِنْ غَيْر مَنْفَعَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ وَالْيَدَ الشَّلَّاءَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فِي حَلَمَةِ الرَّجُلِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: فِيهِ ثُمُنُ الدِّيَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الدِّيَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَجَبَ فِيهِ مِنْ الرَّجُلِ، كَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِي الْبَدَنِ، يَحْصُلُ بِهِمَا الْجَمَالُ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ، كَالشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَأُذُنَيْ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَيُفَارِقُ الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا جَمَالٌ كَامِلٌ، وَلِأَنَّهَا عُضْوٌ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ، كَالْيَدَيْنِ إذَا شَلَّتَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
(6945) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ)
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم يَقُولُونَ: فِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا. مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مِنْ جِنْسٍ، فِيهِمَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ، وَمَنْفَعَةٌ