مَسْأَلَةٌ ; قَالَ: (وَالصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ لَا يُقْصَرَانِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُقْصَرَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَلِأَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ، فَلَوْ قُصِرَتْ صَارَتْ رَكْعَةً، وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ إلَّا الْوَتْرَ، وَالْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ، فَلَوْ قُصِرَ مِنْهَا رَكْعَةٌ لَمْ تَبْقَ وِتْرًا، وَإِنْ قُصِرَتْ اثْنَتَانِ صَارَتْ رَكْعَةً، فَيَكُونُ إجْحَافًا بِهَا، وَإِسْقَاطًا لَأَكْثَرِهَا.
وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: {افْتَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا، وَاِتَّخَذَهَا دَارَ هِجْرَةٍ، زَادَ إلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا صَلَاةَ الْغَدَاةِ ; لِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَإِلَّا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِلْخُطْبَةِ، وَإِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، فَافْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا سَافَرَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ.}
(1249) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ وَيَقْصُرَ، كَمَا لَهُ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ)
.الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْمُسَافِرَ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ، وَقَالَ: أَنَا أُحِبُّ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ: عُثْمَانُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَيْسَ لَهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَأَوْجَبَ حَمَّادٌ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ حَتْمٌ، لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا فَهُوَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَرُوِيَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ، وَلِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، فَلَمْ تَجُزْ زِيَادَتُهُمَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْمَفْرُوضَتَيْنِ، كَمَا لَوْ زَادَهُمَا عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ. وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ: {قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَلَيْسَ بِعَزِيمَةٍ، وَأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ. وَرَوَى الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: {خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ، فَأَفْطَرَ وَصُمْت، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْت، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَفْطَرْت وَصُمْت، وَقَصَرْت وَأَتْمَمْت. فَقَالَ: أَحْسَنْت} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ، فِي"مُسْنَدِهِ". وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ صَلَّى أَرْبَعًا، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَالصَّلَاةُ لَا تَزِيدُ بِالِائْتِمَامِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِي إجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ، فَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْبَعٌ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ،