فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 3896

إسْنَادِهِ، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَالِحُ الْإِسْنَادِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، فِي"سُنَنِهِمَا".

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ} . وَلِأَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ كَانَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُمْ زِيَادَةً، وَلَا قَوْلًا بِذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْعُذْرِ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ. فَقِيلَ: كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ فِي الْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.

وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ السِّنُّ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مِنْ خِيَارِ مَالِهِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي سِنٍّ وَلَا عَدَدٍ، لَكِنَّ يَنْتَقِي مِنْ خَيْرِ مَالِهِ مَا تَزِيدُ بِهِ صَدَقَتُهُ فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِ قِيمَةِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ ب"مَا لَهُ"هَاهُنَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، فَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَأَمَّا إنْ كَانَ مَانِعُ الزَّكَاةِ خَارِجًا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ قَاتَلَهُ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَاتَلُوا مَانِعِيهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ. فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ وَبِمَالِهِ، أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَيْضًا، وَلَمْ تُسْبَ ذُرِّيَّتُهُ ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ لَا يُسْبَى، فَذُرِّيَّتُهُ أَوْلَى. وَإِنْ ظَفِرَ بِهِ دُونَ مَالِهِ، دَعَاهُ إلَى أَدَائِهَا، وَاسْتَتَابَهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَأَدَّى، وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِهِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِقِتَالِهِ عَلَيْهَا، فَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ: إذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ كَمَا مَنَعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَاتَلُوا عَلَيْهَا، لَمْ يُوَرَّثُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ، مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَاتَلَهُمْ، وَعَضَّتْهُمْ الْحَرْبُ، قَالُوا: نُؤَدِّيهَا. قَالَ: لَا أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ. وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِمْ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ امْتَنَعُوا مِنْ الْقِتَالِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، وَلَوْ اعْتَقَدُوا كُفْرَهُمْ لَمَا تَوَقَّفُوا عَنْهُ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ، وَبَقِيَ الْكُفْرُ عَلَى أَصْلِ النَّفْيِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، فَلَمْ يَكْفُرْ تَارِكُهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ ; كَالْحَجِّ، وَإِذَا لَمْ يَكْفُرْ بِتَرْكِهِ، لَمْ يَكْفُرْ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ كَأَهْلِ الْبَغْيِ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَهَا، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا كُنَّا نُؤَدِّي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ لَنَا، وَلَيْسَ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ سَكَنًا لَنَا، فَلَا نُؤَدِّي إلَيْهِ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَ الْأَدَاءِ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا كَبَائِرَ، وَمَاتُوا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، فَحُكِمَ لَهُمْ بِالنَّارِ ظَاهِرًا، كَمَا حُكِمَ لِقَتْلَى الْمُجَاهِدِينَ بِالْجَنَّةِ ظَاهِرًا، وَالْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِالتَّخْلِيدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّارِ الْحُكْمُ بِالتَّخْلِيدِ، بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِهِ يَدْخُلُونَ النَّارَ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ.

(1692) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ)

.بَدَأَ الْخِرَقِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِذِكْرِ صَدَقَةِ الْإِبِلِ ; لِأَنَّهَا أَهَمُّ، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، فَالِاهْتِمَامُ بِهَا أَوْلَى، وَوُجُوبُ زَكَاتِهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ، وَصَحَّتْ فِيهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت