فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ، فَمُنْذُ تَمْضِي أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَحْمَدُ، هَلْ يَصُومُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ: كَيْفَ شَاءَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ: يَصُومُهَا فِي الطَّرِيقِ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَصُومُهَا إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ; لِلْخَبَرِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ عَنْهُ كَقَوْلِنَا، وَكَقَوْلِ إِسْحَاقَ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَزِمَهُ، وَجَازَ فِي وَطَنِهِ، جَازَ قَبْلَ ذَلِكَ، كَسَائِرِ الْفُرُوضِ. وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ قَبْلَهُ، كَتَأْخِيرِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} . وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ.
(2609) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمَا. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
(2610) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ، إذَا لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَصُومُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ: إذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ وَبَعْدَهُ، وَاسْتَقَرَّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ} . وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مُوَقَّتٌ، فَيَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، كَالْجُمُعَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ، لَا عَلَى سُقُوطِهِ، وَالْقِيَاسُ مُنْتَقَضٌ بِصَوْمِ الظِّهَارِ إذَا قُدِّمَ الْمَسِيسُ عَلَيْهِ، وَالْجُمُعَةُ لَيْسَتْ بَدَلًا، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِأَنَّ الْوَقْتَ جُعِلَ شَرْطًا لَهَا كَالْجَمَاعَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، قَالَا: {لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى تَرْخِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِصِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ إلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ، فَيَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ فِيهَا. فَإِذَا صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَامَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ لِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ، ذَكَرَ مِنْهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ} ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ} . وَلِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ فِيهَا صَوْمُ النَّفْلِ، فَلَا يَصُومُهَا عَنْ الْهَدْيِ، كَيَوْمِ النَّحْرِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا: يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى فَلَمْ يَصُمْهَا. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ