فهرس الكتاب

الصفحة 1102 من 3896

إذَا حُصِرَ عَنْ الْخُرُوجِ خُرِّجَ فِي ذَبْحِ هَذَا الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ رِوَايَتَانِ، كَدِمَاءِ الْحَجِّ وَاخْتَارَ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ ذَبْحِهِ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَالثَّانِيَةُ، إنَّ أَمْكَنَ إرْسَالُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ إيصَالُ الْمَنْذُورِ إلَى مَحِلِّهِ، فَلَزِمَهُ، كَغَيْرِ الْمَحْصُورِ.

(2732) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان)

لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الصِّيَامَ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ، فَإِنَّ نَفْعَهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ يُعْطَاهُ.

(2733) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ فِي أَعْنَاقِهَا النِّعَالَ، وَآذَانَ الْقِرَبِ، وَعُرَاهَا، أَوْ عَلَاقَةَ إدَاوَةٍ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ إبِلًا، أَوْ بَقَرًا، أَوْ غَنَمًا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الْغَنَمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ فِي الْإِبِلِ.

وَلَنَا، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: {كُنْت أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَلِّدَ الْغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا.} وَفِي لَفْظٍ: {كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُ هَدْيٌ، فَيُسَنُّ تَقْلِيدُهُ كَالْإِبِلِ، وَلِأَنَّهُ إذَا سُنَّ تَقْلِيدُ الْإِبِلِ مَعَ إمْكَانِ تَعْرِيفِهَا بِالْأَشْعَارِ، فَالْغَنَمُ، أَوْلَى، وَلَيْسَ التَّسَاوِي فِي النَّقْلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُهْدِي الْإِبِلَ أَكْثَرِ، فَكَثُرَ نَقْلُهُ.

(2734) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ إشْعَارُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَهُوَ أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ حَتَّى يُدْمِيَهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا مُثْلَةٌ غَيْرُ جَائِزٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ إيلَامٌ، فَهُوَ كَقَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ الْبَقَرَةُ ذَاتَ سَنَامٍ، فَلَا بَأْسَ بِإِشْعَارِهَا، وَإِلَّا فَلَا.

وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلِأَنَّهُ إيلَامٌ لِغَرَضِ صَحِيحٍ فَجَازَ، كَالْكَيِّ، وَالْوَسْمِ، وَالْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ. وَالْغَرَضُ أَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَأَنْ يَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَنْحَلَ وَيَذْهَبَ. وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالْكَيِّ وَالْوَسْمِ. وَتُشْعَرُ الْبَقَرَةُ ; لِأَنَّهَا مِنْ الْبُدْنِ، فَتُشْعَرُ كَذَاتِ السَّنَامِ. وَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا يُسَنُّ إشْعَارُهَا ; لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعَارِهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَالسُّنَّةُ الْإِشْعَارُ فِي صَفْحَتِهَا الْيُمْنَى. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ: بَلْ تُشْعَرُ فِي صَفْحَتِهَا الْيُسْرَى. وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةِ وَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا بِيَدِهِ.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ثُمَّ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَفِعْلِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ} . وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ قِبَلِ الْمِيقَاتِ، اُسْتُحِبَّ إشْعَارُهُ وَتَقْلِيدُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَإِنْ تَرَكَ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ، فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ.

(2735) فَصْلٌ: وَلَا يُسَنُّ الْهَدْيُ إلَّا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت