فهرس الكتاب

الصفحة 3075 من 3896

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عَلَى كُفْرِهِ، قُسِمَ لَهُ الْمِيرَاثُ ; وَكَانَ مُسْلِمًا بِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا) يَعْنِي، إذَا مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْوَلَدِ الْكَافِرَيْنِ، صَارَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا بِمَوْتِهِ، وَقُسِمَ لَهُ الْمِيرَاثُ. وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِهِمَا وَلَا مَوْتِ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّهُ يَثْبُتْ كُفْرُهُ تَبَعًا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إسْلَامٌ، وَلَا مِمَّنْ هُوَ تَابِعٌ لَهُ فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ، أَنَّهُ أَجْبَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَوْتِ أَبِيهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَنُهُمْ عَنْ مَوْتِ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ يَتِيمٍ.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ {: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَجَعَلَ كُفْرَهُ بِفِعْلِ أَبَوَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، انْقَطَعْت التَّبَعِيَّةُ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَضِيَّةُ الدَّارِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، وَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْكُفْرُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَهُ أَبَوَانِ، فَإِذَا عُدِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ، لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِمَنْ يُكَفَّرُ بِهَا، وَإِنَّمَا قُسِمَ لَهُ الْمِيرَاثُ، لِأَنَّ إسْلَامَهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِمَوْتِ أَبِيهِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الْمِيرَاثَ، فَهُوَ سَبَبٌ لَهُمَا، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِسْلَامُ الْمَانِعُ مِنْ الْمِيرَاثِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُعَلَّقَةَ بِالْمَوْتِ لَا تُوجِبُ الْمِيرَاثَ فِيمَا إذَا قَالَ سَيِّدُ الْعَبْدِ لَهُ: إذَا مَاتَ أَبُوك فَأَنْتَ حُرٌّ. فَمَاتَ أَبُوهُ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ مَتَى انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الدَّارِ، فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ، فَلَا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ وَلَدِ الْكَافِرَيْنِ فِيهَا بِمَوْتِهِمَا، وَلَا مَوْتِ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ الدَّارَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا.

(7109) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، فَقَالَ: مَا كَفَرْت. فَإِنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ)

الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ (7110) : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ مَنْ تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِشَهَادَتِهِ، فَأَنْكَرَ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ وَاسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ إنْكَارَهُ يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْكُفْرِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يُكَلَّفْ الشَّهَادَتَيْنِ، كَذَا هَاهُنَا.

وَلَنَا، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ أُتِيَ بَرْجَلٍ عَرَبِيٍّ قَدْ تَنَصَّرَ، فَاسْتَتَابَهُ، فَأَبَى أَنْ يَتُوبَ، فَقَتَلَهُ، وَأُتِيَ بِرَهْطٍ يُصَلُّونَ وَهُمْ زَنَادِقَةٌ، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الشُّهُودُ الْعُدُولُ، فَجَحَدُوا، وَقَالُوا: لَيْسَ لَنَا دِينٌ إلَّا الْإِسْلَامَ. فَقَتَلَهُمْ، وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ اسْتَتَبْتُ النَّصْرَانِيَّ ؟ اسْتَتَبْتُهُ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ دِينَهُ، فَأَمَّا الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنَّمَا قَتَلْتُهُمْ لِأَنَّهُمْ جَحَدُوا، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كُفْرُهُ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِدُونِ الشَّهَادَتَيْنِ، كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلِأَنَّ إنْكَارَهُ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، فَلَمْ تُسْمَعْ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِالْكُفْرِ ثُمَّ أَنْكَرَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ فِيهِ كَمَسْأَلَتِنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ بِقَوْلِهِ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت