فهرس الكتاب

الصفحة 3666 من 3896

بِهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ فَيُعْتَبَرُ دَوَامُهَا إلَى حِينِ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا فِي الْمَشْرُوطِ، وَإِذَا فَسَقَ انْتَفَى الشَّرْطُ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ.

وَالثَّانِي، أَنَّ ظُهُورَ فِسْقِهِ وَكُفْرِهِ، يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسِرُّ الْفِسْقَ، وَيُظْهِرُ الْعَدَالَةَ، وَالزِّنْدِيقُ يُسِرُّ كُفْرَهُ، وَيُظْهِرُ إسْلَامَهُ، فَلَا نَأْمَنُ كَوْنَهُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمَ بِهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهَا، فَأَمَّا إنْ حَدَثَ هَذَا مِنْهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، لَمْ يُنْقَضْ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ صَحِيحًا، لِاسْتِمْرَارِ شَرْطِهِ إلَى انْتِهَائِهِ ; وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَقْرُونًا بِشَرْطِهِ ظَاهِرًا، فَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَوْ رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، لَكِنْ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَكَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ ; بِالشُّبُهَاتِ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ، وَهَذَا شُبْهَةٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.

وَإِنْ كَانَ مَالًا اُسْتُوْفِيَ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ، وَثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِأَمْرٍ ظَاهِرِ الصِّحَّةِ، فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مُحْتَمِلٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ. وَإِنْ كَانَ حَدَّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصًا، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، يُسْتَوْفَى. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ مُطَالَبٌ بِهِ، أَشْبَهَ الْمَالَ. وَالثَّانِي، لَا يُسْتَوْفَى. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، أَشْبَهَ الْحَدَّ. وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ. وَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ ; لِأَنَّ الْحَقَّ اُسْتُوْفِيَ بِمَا ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، وَسَوَّغَ الشَّرْعُ اسْتِيفَاءَهُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا طَرَأَ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ.

(8406) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ مَاتَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، سَوَاءٌ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ حَدًّا أَوْ غَيْرَهُ. وَكَذَلِكَ إنْ جُنُّوا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي شَهَادَتِهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا. وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ فِي مَعْنَاهُ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ.

(8407) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ عَلَى شَهَادَةِ الْعَدْلِ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا فِي الْحُدُودِ، إذَا كَانَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا)

.الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ ; (8408) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، فِي جَوَازِهَا.

وَالثَّانِي، فِي مَوْضِعِهَا. وَالثَّالِثُ، فِي شَرْطِهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ يَمُوتُ شُهُودُهُ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ، وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ.

(8409) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، بِإِجْمَاعٍ، كَمَا ذَكَرِ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت