وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ عَفِيفٌ يَتَعَيَّرُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُمْكِنِ صِدْقُهُ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْغُلَامِ عَشْرٌ، وَلِلْجَارِيَةِ تِسْعٌ.
(7210) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ، وَالْمَجْبُوبِ، وَالْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْقَرْنَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ مَجْبُوبٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَذَلِكَ الرَّتْقَاءُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ ; لِأَنَّ الْعَارَ مُنْتَفٍ عَنْ الْمَقْذُوفِ بِدُونِ الْحَدِّ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ، وَالْحَدُّ إنَّمَا يَجِبُ لِنَفْيِ الْعَارِ. وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . وَالرَّتْقَاءُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ هَذَا ; وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِمُحْصَنٍ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَقَاذِفِ الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ ; وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ، لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَلَا يَنْتَفِي الْعَارُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِدُونِ الْحَدِّ، فَيَجِبُ، كَقَذْفِ الْمَرِيضِ.
(7211) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فِي دَارٍ لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِهَا. وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ} . الْآيَةَ. وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، قَذَفَ مُحْصَنًا، فَأَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(7212) فَصْلٌ: وَقَدْرُ الْحَدِّ ثَمَانُونَ، إذَا كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا ; لِلْآيَةِ وَالْإِجْمَاعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ ; لِأَنَّ هَذِهِ مُشْتَرَطَةٌ لِكُلِّ حَدٍّ.
(7213) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إذَا طَالَبَ الْمَقْذُوفُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاذِفِ بَيِّنَةٌ.)
وَجُمْلَتُهُ أَنْ يُعْتَبَرَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَعْدَ تَمَامِ الْقَذْفِ بِشُرُوطِهِ شَرْطَانِ ; أَحَدُهُمَا: مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ طَلَبِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ} . فَيُشْتَرَطُ فِي جَلْدِهِمْ عَدَمُ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْإِقْرَارِ مِنْ الْمَقْذُوفِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ. إنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا، اُعْتُبِرَ شَرْطٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ مِنْ اللِّعَانِ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي هَذَا كُلِّهِ. وَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ، فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْحَدِّ، سَقَطَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ; لِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْتِيفَائِهِ، فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ، كَالْقِصَاصِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي إقَامَتِهَا الطَّلَبُ بِاسْتِيفَائِهَا، وَحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْمَسْرُوقِ، لَا بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ ; وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا