فهرس الكتاب

الصفحة 2205 من 3896

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا فِي صَدَقَةٍ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَلَا أَحَدًا مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلَا مِنْ صَحَابَتِهِ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ لَمَا أَغْفَلُوهُ، وَلَوْ فَعَلُوهُ مَعَ مَشَقَّتِهِ لَنُقِلَ وَمَا أُهْمِلَ، إذْ لَا يَجُوزُ عَلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ إهْمَالُ نَقْلِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَقْلِهِ، سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَوُجُودِ ذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَفِي كُلِّ مِصْرٍ وَبَلَدٍ، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْكَلَامُ فِيهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.

(5128) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُهَا عَلَى مَا أَمْكَنَ مِنْ الْأَصْنَافِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَتَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ.

فَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِتَفْرِيقِهَا السَّاعِي، اُسْتُحِبَّ إحْصَاءُ أَهْلِ السَّهْمَانِ مِنْ عَمَلِهِ، حَتَّى يَكُونَ فَرَاغُهُ مِنْ قَبْضِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ تَنَاهِي أَسْمَائِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ، وَحَاجَاتِهِمْ، وَقَدْرِ كِفَايَاتِهِمْ، لِتَكُونَ تَفْرِقَتُهُ عَقِيبَ جَمْعِ الصَّدَقَةِ. وَيَبْدَأُ بِإِعْطَاءِ الْعَامِلِ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، فَكَانَ اسْتِحْقَاقُهُ أَقْوَى، وَلِذَلِكَ إذَا عَجَزَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ أَجْرِهِ، تَمَّمَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أَجْرٌ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ} . ثُمَّ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَأَهَمُّهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً، فَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تَفِي بِحَاجَةِ جَمِيعِهِمْ، أَعْطَى كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، فَيُعْطِي الْفَقِيرَ مَا يُغْنِيهِ، وَهُوَ مَا تَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْكِفَايَةُ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، لَهُ وَلِعِيَالِهِ، وَيُعْطِي الْمِسْكِينَ مَا تَتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةُ.

إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا ; يُعْطِيهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَالثَّانِيَةُ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الذَّهَبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عِيَالٌ، فَيَدْفَعَ إلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَيَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ قَدْرَ أَجْرِهِ، وَإِلَى الْغَارِمِ مَا يَقْضِي بِهِ غُرْمَهُ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ مَا يُوفِي كِتَابَتَهُ، وَالْغَازِي يُعْطَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمُؤْنَةِ غَزْوِهِ، وَابْنُ السَّبِيلِ مَا يُبَلِّغُهُ إلَى بَلَدِهِ. وَإِنْ نَقَصَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ كِفَايَتِهِمْ، فَرَّقَ فِيهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَنْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ; لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ الْجَمْعِ، إلَّا الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا.

وَإِنْ فَضَلَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ كِفَايَتِهِمْ، نَقَلَ الْفَاضِلَ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِتَفْرِيقِهَا رَبَّهَا، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِأَهْلِهَا مِنْ أَهْلِهِ، وَيُفَرِّقَهَا فِي الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَهُوَ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، وَقَرُبَ مِنْهُ نَسَبُهُ، وَيُعْطِي مَنْ أَمْكَنَهُ.

(5129) فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ سَبَبَانِ، يَجُوزُ الْأَخْذُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، كَالْفَقِيرِ الْغَارِمِ، أُعْطِيَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَيُعْطَى مَا يَقْضِي غُرْمَهُ، ثُمَّ يُعْطَى مَا يُغْنِيهِ ; لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي فِيهِ الْمَعْنَيَانِ كَشَخْصَيْنِ، وُجِدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ، فَيَسْتَحِقُّ بِهِمَا كَالْمِيرَاثِ لِابْنِ عَمٍّ هُوَ زَوْجٌ أَوْ أَخٌ مِنْ أُمٍّ، وَلَوْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ وَلِلْفُقَرَاءِ، اسْتَحَقَّ الْقَرِيبُ الْفَقِيرُ سَهْمَيْنِ.

(5130) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُعْطِي مِنْ الصَّدَقَةِ لِبَنِي هَاشِمٍ)

وَلَا لِمَوَالِيهِمْ، وَلَا لِلْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ. وَلَا لِلزَّوْجِ، وَلَا لِلزَّوْجَةِ، وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَلَا لِكَافِرٍ، وَلَا لِمَمْلُوكٍ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، فَيُعْطَوْنَ بِحَقِّ مَا عَمِلُوا، وَلَا لِغَنِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ. هَذِهِ الْمَسَائِلُ قَدْ تَكَرَّرَتْ، وَذَكَرْنَا شَرْحَهَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَا هُنَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت