فهرس الكتاب

الصفحة 1882 من 3896

وَلَنَا أَنَّهُ دَفَعَ مَالَ غَيْرِهِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا، إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَالِكُهَا. فَأَمَّا إنْ دَفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُهَا مُطَالَبَةَ الدَّافِعِ ; لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ. وَمَتَى ضَمِنَ الْوَاصِفُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ; لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْهُ وَالتَّلَفَ عِنْدَهُ. فَإِنْ ضَمِنَ الدَّافِعُ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ ; لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ تَغْرِيمِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ قَدْ أَقَرَّ لِلْوَاصِفِ أَنَّهُ صَاحِبُهَا وَمَالِكُهَا، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ أَنَّهُ صَاحِبُهَا وَمُسْتَحِقُّهَا، وَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيِّنَةِ ظَلَمَهُ بِتَضْمِينِهِ، فَلَا يَرْجِعُ، بِهِ عَلَى غَيْرِ مَنْ ظَلَمَهُ.

وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ قَدْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ، فَضَمَّنَهُ إيَّاهَا، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ بِمَا غَرِمَهُ، وَلَيْسَ لِمَالِكِهَا تَضْمِينُ الْوَاصِفِ ; لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ إنَّمَا هُوَ مَالُ الْمُلْتَقِطِ، لَا مَالُ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ. فَأَمَّا إنْ وَصَفَهَا إنْسَانٌ، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا وَادَّعَاهَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّهَا لِوَصْفِهِ إيَّاهَا، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ فِيهَا، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي انْتِزَاعَهَا مِنْهُ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا لَهُ، كَسَائِرِ مَالِهِ.

(4514) فَصْلٌ: وَلَوْ جَاءَ مُدَّعٍ لِلُقَطَةٍ، فَلَمْ يَصِفْهَا، وَلَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، كَالْوَدِيعَةِ، فَإِنْ دَفَعَهَا، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَزِمَ الْوَاصِفَ غَرَامَتُهَا لَهُ ; لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى مَالِكِهَا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مُدَّعِيهَا ; لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ آخِذِهَا، فَإِذَا ضَمَّنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَدَّعِيهَا فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا، فَيُغَرِّمُهُ إيَّاهَا، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَمَلَكَ أَخْذَهَا مِنْ غَاصِبِهَا، كَالْوَدِيعَةِ.

(4515) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( أَوْ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ قَدْ اُسْتُهْلِكَتْ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللُّقَطَةَ فِي الْحَوْلِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ أَوْ نَقَصَتْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَالْوَدِيعَةِ. وَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا، فَوَجَدَهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ ; لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلِكِهِ. وَإِنْ أَتْلَفَهَا الْمُلْتَقِطُ، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَبِقِيمَتِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ. لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا

وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلِكِهِ، وَتَلِفَتْ مِنْ مَالِهِ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ. وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ نَاقِصَةً، وَكَانَ نَقْصُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، أَخَذَ الْعَيْنَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا ; لِأَنَّ جَمِيعَهَا مَضْمُونٌ إذَا تَلِفَتْ، فَكَذَلِكَ إذَا نَقَصَتْ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ حَكَمُوا بِمِلْكِهِ لَهَا بِمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَمْلِكُهَا حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا. لَمْ يُضَمِّنْهُ إيَّاهَا حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا، وَحُكْمُهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهِ إيَّاهَا حُكْمُهَا قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ. وَمَنْ قَالَ: لَا تُمْلَكُ اللُّقَطَةُ بِحَالٍ

لَمْ يُضَمِّنْهُ إيَّاهَا. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، قَالُوا: لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ ضَاعَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ دَلِيلَ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ. وَقَالَ دَاوُد: إذَا تَمَلَّكَ الْعَيْنَ وَأَتْلَفَهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت