وَلَنَا، أَنَّ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ {: وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ} . وَلِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا قَضَيَا فِيهِمَا بِالدِّيَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْأُذُنِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا. قُلْنَا: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْبَدَنِ مِنْهُ عُضْوَانِ، كَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْيَدَيْنِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِمَا، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ، وَإِنْ قُطِعَ بَعْضُ إحْدَاهُمَا، وَجَبَ بِقَدْرِ مَا قُطِعَ مِنْ دِيَتِهَا، فَفِي نِصْفِهَا نِصْفُ دِيَتِهَا، وَفِي رُبْعِهَا رُبْعُهَا، وَعَلَى هَذَا الْحِسَابُ، سَوَاءٌ قُطِعَ مِنْ أَعْلَى الْأُذُنِ أَوْ أَسْفَلِهَا، أَوْ اخْتَلَفَ فِي الْجَمَالِ، أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ، كَمَا أَنَّ الْأَسْنَانَ وَالْأَصَابِعَ تَخْتَلِف فِي الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَدِيَاتُهَا سَوَاءٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ ; أَنَّ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ ثُلُثَ الدِّيَةِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أُذُنِ الْأَصَمِّ ; لِأَنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي دِيَتِهَا. كَالْعَمَى لَا يُؤَثِّرُ فِي دِيَةِ الْأَجْفَانِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
(6908) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ فَاسْتَحْشَفَتْ، وَاسْتِحْشَافُهَا كَشَلَلِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: فِي ذَلِكَ دِيَتُهَا ; لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ دِيَتُهُ بِقَطْعِهِ، وَجَبَتْ بِشَلَلِهِ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ. وَلَنَا، أَنَّ نَفْعَهَا بَاقٍ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا وَجَمَالَهَا، فَإِنَّ نَفْعَهَا جَمْعُ الصَّوْتِ، وَمَنْعُ دُخُولِ الْمَاءِ وَالْهَوَامِّ فِي صِمَاخِهِ، وَهَذَا بَاقٍ بَعْدَ شَلَلِهَا، فَإِنْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا، فَفِيهَا دِيَتُهَا ; لِأَنَّهُ قَطَعَ أُذُنًا فِيهَا جَمَالُهَا وَنَفْعُهَا، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا كَالصَّحِيحَةِ، وَكَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا عَمْشَاءَ أَوْ حَوْلَاءَ.
(6909) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي السَّمْعِ إذَا ذَهَبَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ)
لَا خِلَافَ فِي هَذَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ فِي السَّمْعِ الدِّيَةَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا أَعْلَم عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافًا لَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ} .
وَرَوَى أَبُو الْمُهَلَّبِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَنِكَاحُهُ، فَقَضَى عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ. وَلِأَنَّهَا حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِنَفْعٍ، فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ، كَالْبَصَرِ. وَإِنْ ذَهَبَ السَّمْعُ مِنْ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْبَصَرُ مِنْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ. وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ ; لِأَنَّ السَّمْعَ فِي غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ أَجْفَانَ عَيْنَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ إذَا قُلِعَتْ فَذَهَبَ بَصَرُهُ. فَإِنَّ الْبَصَرَ فِي الْعَيْنِ، فَأَشْبَهَ الْبَطْشَ الذَّاهِبَ بِقَطْعِ الْيَد.
(6910) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ، فَإِنَّهُ يُتَغَفَّلُ وَيُصَاحُ بِهِ، وَيُنْظَرُ اضْطِرَابُهُ، وَيُتَأَمَّلُ عِنْدَ صَوْتِ الرَّعْدِ وَالْأَصْوَاتِ الْمُزْعِجَةِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ انْزِعَاجٌ، أَوْ الْتِفَاتٌ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى السَّمْعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْأَمَارَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِيعٌ، فَغُلِّبَتْ جَنَبَةُ الْمُدَّعِي، وَحُلِّفَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ