رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ ; لِأَنَّ الْعِمَالَةَ وِلَايَةٌ، فَنَافَاهَا الرِّقُّ، كَالْقَضَاءِ. وَيُشْتَرَطُ الْفِقْهُ ; لِيَعْلَم قَدْرَ الْوَاجِبِ وَصِفَتَهُ. وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا نُسَلِّمُ مُنَافَاةَ الرِّقِّ لِلْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الصَّلَاةِ، وَمُفْتِيًا، وَرَاوِيًا لِلْحَدِيثِ، وَشَاهِدًا، وَهَذِهِ مِنْ الْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ.
وَأَمَّا الْفِقْهُ، فَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَأْخُذُهُ وَيَتْرُكُهُ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ لَهُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَاهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
(5104) فَصْلٌ: وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِلَ إجَارَةً صَحِيحَةً، بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، إمَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَإِمَّا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَعْلًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلِهِ، فَإِذَا عَمِلَهُ اسْتَحَقَّ الْمَشْرُوطَ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَهُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ ; فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعْت عَمَّلَنِي، فَقُلْت: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنِّي.} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَإِنْ تَلْفِت الصَّدَقَةُ فِي يَدِهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى أَرْبَابِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَيَسْتَحِقُّ أَجْرَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ أُعْطِيَ أَجْرَ عَمَلِهِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ.
ثُمَّ قُسِّمَ الْبَاقِي عَلَى أَرْبَابِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَتِهَا، فَجَرَى مَجْرَى عَلْفِهَا وَمُدَاوَاتِهَا. وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَعْطَاهُ أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يَجْعَلُ لَهُ رِزْقًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يُعْطِيهِ مِنْهَا شَيْئًا، فَعَلَ. وَإِنْ تَوَلَّى الْإِمَامُ أَوْ الْوَالِي مِنْ قِبَلِهِ، أَخْذَ الصَّدَقَةِ وَقِسْمَتَهَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(5105) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ السَّاعِيَ جِبَايَتَهَا دُونَ تَفْرِقَتِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ جِبَايَتَهَا وَتَفْرِيقَهَا ; {فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَقَدِمَ بِصَدَقَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ. وَقَالَ لَقَبِيصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَك بِهَا. وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَيَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ.} وَيُرْوَى أَنَّ زِيَادًا وَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْمَالُ ؟ قَالَ: أَوَ لِلْمَالِ بَعَثْتنِي، أَخَذْنَاهَا كَمَا كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَوَضَعَهَا فِي فُقَرَائِنَا، وَكُنْت غُلَامًا يَتِيمًا، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(5106) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ الْمُتَأَلَّفُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ)
هَذَا الصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: انْقَطَعَ سَهْمُهُمْ. وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ مُشْرِكًا جَاءَ يَلْتَمِسُ مِنْ عُمَرَ مَالًا، فَلَمْ يُعْطِهِ، وَقَالَ: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} . وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيٍّ أَنَّهُمْ أَعْطَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَقَمَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى التَّأْلِيفِ. وَحَكَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤَلَّفَةُ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُهُمْ الْيَوْمَ.