فهرس الكتاب

الصفحة 3526 من 3896

اسْمَ الشَّحْمِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ شَحْمٌ، فَيَحْنَثُ بِهِ.

وَأَمَّا إنْ أَكَلَ لَحْمًا أَحْمَرَ وَحْدَهُ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّحْمِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ وَإِنْ قَلَّ، وَيَظْهَرُ فِي الطَّبْخِ، فَإِنَّهُ يَبِينُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَقِ، وَإِنْ قَلَّ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَظْهَرُ الدُّهْنُ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَحْنَثُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَرَقِ قَدْ فَارَقَ اللَّحْمَ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.

(8149) فَصْلٌ: وَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ الْأَلْيَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمُوَافِقِيهِ ; لِأَنَّهَا دُهْنٌ يَذُوبُ بِالنَّارِ، وَيُبَاعُ مَعَ الشَّحْمِ، وَلَا يُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمُوَافِقِيهِ: لَيْسَتْ شَحْمًا وَلَا لَحْمًا، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِهَا.

(8150) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا، وَلَمْ يُرِدْ لَحْمًا بِعَيْنِهِ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ، أَوْ الطُّيُورِ، أَوْ السَّمَكِ، حَنِثَ)

أَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ أَوْ الصَّيْدِ أَوْ الطَّائِرِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ.

وَأَمَّا السَّمَكُ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، فِي"الْإِرْشَادِ": لَا يَحْنَثُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ اسْمِ اللَّحْمِ، وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ، فَاشْتَرَى لَهُ سَمَكًا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ، فَيَقُولَ: مَا أَكَلْت لَحْمًا، وَإِنَّمَا أَكَلْت سَمَكًا.

فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحِنْثُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قَعَدْت تَحْتَ سَقْفٍ. فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقُعُودِ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى {سَقْفًا مَحْفُوظًا} لِأَنَّهُ مَجَازٌ، كَذَا هَاهُنَا. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} . وَقَالَ: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} . وَلِأَنَّهُ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ، وَيُسَمَّى لَحْمًا، فَحَنِثَ بِأَكْلِهِ، كَلَحْمِ الطَّائِرِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِلَحْمِ الطَّائِرِ.

وَأَمَّا السَّمَاءُ، فَإِنَّ الْحَالِفَ أَلَّا يَقْعُدَ تَحْتَ سَقْفٍ، لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ الْقُعُودِ تَحْتَهَا، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ، وَهَا هُنَا هِيَ حَقِيقَةٌ ; لِكَوْنِهِ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً، كَلَحْمِ الطَّائِرِ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} .

(8151) فَصْلٌ: وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمُحَرَّمِ، كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَغْصُوبِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْمُحَرَّمِ بِأَصْلِهِ ; لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَحِلُّ لَا إلَى مَا يَحْرُمُ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا لَا يَحِلُّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت