شُبْهَةً فِي دَرْئِهِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ، لِأَنَّ الْقَلْعَ مَوْجُودٌ، وَالْعَوْدَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ عَوْدِهَا، أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ فَمَاتَ قَبْلَ نَبَاتِهِ، فَأَمَّا إنْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ قَدْ أَثْغَرَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ لَهُ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ عَوْدِهَا، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ،
وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: لَا تَعُودُ، فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالُوا: يُرْجَى عَوْدُهَا إلَى وَقْتٍ ذَكَرُوهُ، لَمْ يُقْتَصَّ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، فَأَشْبَهَتْ سِنَّ مَنْ لَمْ يُثْغِرْ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَعُدْ بَعْدُ، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ عَادَتْ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَسْقُطُ الْأَرْشُ، لِأَنَّ هَذِهِ السِّنَّ لَا تَسْتَخْلِفُ عَادَةً، فَإِذَا عَادَتْ كَانَتْ هِبَةً مُجَدَّدَةً ; وَلِذَلِكَ لَا يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا فِي الضَّمَانِ وَلَنَا، أَنَّهَا سِنٌّ عَادَتْ، فَسَقَطَ الْأَرْشُ، كَسِنِّ مَنْ لَمْ يُثْغِرْ، وَنُدْرَةُ وُجُودِهَا لَا يَمْنَع ثُبُوتَ حُكْمِهَا إذَا وُجِدَتْ، فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ أَخَذَ الْأَرْشَ، رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ هَذِهِ قِصَاصًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْعُدْوَانَ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِي دُونَ سِنِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، تُقْلَعُ، لِئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بِسِنٍّ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {السِّنَّ بِالسِّنِّ} وَالثَّانِي، تُقْلَعُ وَإِنْ عَادَتْ مَرَّاتٍ، لِأَنَّهُ قَلَعَ سِنَّهُ وَأَعْدَمَهَا، فَكَانَ لَهُ إعْدَامُ سِنِّهِ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
(6713) فَصْلٌ: وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَقَلَعَهَا الْجَانِي ثَانِيَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سِنَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمَّا عَادَتْ، وَجَبَ لِلْجَانِي عَلَيْهِ دِيَةُ سِنِّهِ، فَلَمَّا قَلَعَهَا، وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتُهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ سِنٍّ، فَيَتَقَاصَّانِ.
(6714) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَإِنْ كَسَرَ بَعْضَهَا، بَرَدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلَهُ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ جَارٍ فِي بَعْضِ السِّنِّ لِأَنَّ الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ سِنَّ جَارِيَةٍ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ ; وَلِأَنَّ مَا جَرَى الْقِصَاصُ فِي جُمْلَتِهِ، جَرَى فِي بَعْضِهِ إذَا أَمْكَنَ كَالْأُذُنِ، فَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثُ بِالثُّلُثِ، وَكُلُّ جُزْءٍ بِمِثْلِهِ، وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالْمِسَاحَةِ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى أَخْذِ جَمِيعِ سِنِّ الْجَانِي بِبَعْضِ سِنِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ بِالْمِبْرَدِ، لِيُؤْمَنَ أَخْذُ الزِّيَادَةِ، فَإِنَّا لَوْ أَخَذْنَاهَا بِالْكَسْرِ، لَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَنْصَدِعَ، أَوْ تَنْقَلِعَ، أَوْ تَنْكَسِرَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْقِصَاصِ، وَلَا يُقْتَصُّ حَتَّى يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ يُؤْمَنُ انْقِلَاعُهَا، أَوْ السَّوَادُ فِيهَا لِأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيَادَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ فِي الْأَعْضَاءِ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجَزْتُمْ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ تَوَهُّمِ سِرَايَتهَا إلَى النَّفْسِ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ مِنْهُ لِتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ إلَى بَعْضِ الْعُضْوِ ؟ قُلْنَا: وَهْمُ السِّرَايَةِ إلَى النَّفْسِ لَا سَبِيلَ إلَى التَّحَرُّزِ مِنْهُ، فَلَوْ اعْتَبَرْنَاهُ فِي الْمَنْعِ، لَسَقَطَ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَأَمَّا السِّرَايَةُ إلَى بَعْضِ الْعُضْوِ، فَتَارَةً نَقُولُ إنَّمَا مَنَعَ الْقِصَاصَ فِيهَا احْتِمَالُ الزِّيَادَةِ فِي الْفِعْلِ، لَا فِي السِّرَايَةِ، مِثْلُ مَنْ يَسْتَوْفِي بَعْضَ الذِّرَاعِ،