فهرس الكتاب

الصفحة 1504 من 3896

فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، قَدَّمْنَا حِصَّةَ الْعَامِلِ عَلَى غُرَمَائِهِ، وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ نَصِيبِهِ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ، فَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ مِنْ نَصِيبِهِ، فَهُوَ كَالشَّرِيكِ بِمَالِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ دُونَ الذِّمَّةِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا، كَحَقِّ الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَكَانَ أَسْبَقَ، كَحَقِّ الرَّهْنِ.

(3697) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ بِعَيْنِهِ، صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَلِصَاحِبِهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَى الْمُضَارِبِ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ حَيٌّ شَيْءٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ حُدُوثُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ قَدْ هَلَكَ. وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ فِي يَدِهِ، وَاخْتِلَاطُهُ بِجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ، فَكَانَ دَيْنًا كَالْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إسْقَاطِ حَقِّ رَبِّ الْمَالِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ وَيُخَالِفُهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْطَائِهِ عَيْنًا مِنْ هَذَا الْمَالِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُهُ بِالذِّمَّةِ.

(3698) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْمُضَارِبِ أَنَّ فِي يَدِهِ فَضْلًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّبْحَ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبٍّ الْمَالِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا. وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ لَأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدهَا، إنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، فَلَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ الَّذِي يَكُونُ هَذَا الرِّبْحُ جَابِرًا لَهُ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ رِبْحًا. وَالثَّانِي، إنَّ رَبَّ الْمَالِ شَرِيكُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَاسَمَةُ نَفْسِهِ.

الثَّالِث، أَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ; لِأَنَّهُ بِعَرْضِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ يَدِهِ بِجُبْرَانِ خَسَارَةِ الْمَالِ. وَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي أَخْذِ شَيْءٍ، جَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا.

(3699) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ، وَأَبَى الْآخَرُ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُمْتَنِعِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ، فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، فَيَجْبُرُهُ بِالرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلَ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَلْزَمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ فِي وَقْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، جَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا يُنْفِقُهُ. ثُمَّ مَتَى ظَهَرَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ، أَوْ تَلِفَ كُلُّهُ، لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا أَخَذَهُ، أَوْ نِصْفِ خُسْرَانِ الْمَالِ، إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ نِصْفَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ، وَلَمْ يَقْبِضْ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: يَرُدُّ الْعَامِلُ الرِّبْحَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ. وَلَنَا، عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ، أَنَّ الْمَالَ لَهُمَا، فَجَازَ لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَا بَعْضَهُ، كَالشَّرِيكَيْنِ. أَوْ نَقُولَ: إنَّهُمَا شَرِيكَانِ، فَجَازَ لَهُمَا قِسْمَةُ الرِّبْحِ قَبْلَ الْمُفَاضَلَةِ، كَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت