فهرس الكتاب

الصفحة 3597 من 3896

لَوْ كَانَا فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ أَوْ مَجْلِسٍ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَإِمْضَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ حُكْمًا عَلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَاكِمٍ.

الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَكْتُبَ يُعْلِمُهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِفُلَانٍ، مِثْلَ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، فَيَسْأَلُهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ أَيْضًا.

قَالَ الْقَاضِي: وَيَكُونُ فِي كِتَابِهِ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا. لِيَكُونَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ، وَلَا يَكْتُبُ: ثَبَتَ عِنْدِي ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: ثَبَتَ عِنْدِي. حُكْمٌ بِشَهَادَتِهِمَا، فَهَذَا لَا يَقْبَلُهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، إلَّا فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، الَّتِي هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَلَا يَقْبَلُهُ فِيمَا دُونَهَا ; لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي بَلَدِهِ.

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ هَذَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْحَاكِمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَجَازَ قَبُولُهُ مَعَ الْقُرْبِ، كَكِتَابِهِ بِحُكْمِهِ.

وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْقُرْبِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَيُفَارِقُ كِتَابَهُ بِالْحُكْمِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، فَيَبْعَثُ إلَيْهِ، فَيَسْتَدْعِيهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ، أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ، وَأَلْزَمَهُ إيَّاهُ. وَإِنْ قَالَ: لَسْت الْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ.

فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ. وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ اسْمُهُ، وَالنَّسَبَ نَسَبُهُ، وَالصِّفَةَ صِفَتُهُ، إلَّا أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ، إنَّمَا هُوَ عَلَى آخَرَ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَالصِّفَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِي نَفْيِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْحَقِّ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ، أَلْزَمَهُ بِهِ، وَتَخَلَّصَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ، وَقَفَ الْحُكْمَ، وَيَكْتُبُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبُ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، وَمَا وَقَعَ مِنْ الْإِشْكَالِ، حَتَّى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْنِ، فَيَشْهَدَا عِنْدَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.

وَإِنْ ادَّعَى الْمُسَمَّى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَقَدْ مَاتَ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحُكْمُ بِهَا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ، لَمْ يَقَعْ إشْكَالٌ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، أَوْ بَعْدَ الْمُعَامَلَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَمْكَنَ أَنْ تَجْرِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ مُعَامَلَةٌ، فَقَدْ وَقَعَ الْإِشْكَالُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي مَاتَ.

(8279) فَصْلٌ: وَإِذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ بَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ بِدَيْنٍ، جَازَ، وَحَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْنًا ; كَعَقَارٍ مَحْدُودٍ، أَوْ عَيْنٍ مَشْهُودَةٍ، لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا، كَعَبْدٍ مَعْرُوفٍ مَشْهُورٍ، أَوْ دَابَّةٍ كَذَلِكَ، حَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت