فهرس الكتاب

الصفحة 3598 من 3896

أَيْضًا، وَأُلْزِمَ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالصِّفَةِ، كَعَبْدٍ غَيْرِ مَشْهُودٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالْوَصْفِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَكْفِي، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ لِرَجُلٍ بِالْوَصْفِ وَالتَّحْلِيَةِ، كَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ. وَالثَّانِي، يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِالْعَقْدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَيُخَالِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِيهِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ، وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَثْبُتُ بِالصِّفَةِ وَالتَّحْلِيَةِ، فَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ.

فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، يَنْفُذُ الْعَيْنَ مَخْتُومَةً، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ خَتَمَ فِي عُنُقِهِ، وَبَعَثَهُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ، لِيَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ، دُفِعَ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى عَيْنِهِ، أَوْ قَالَ: الْمَشْهُودُ بِهِ غَيْرُ هَذَا. وَجَبَ عَلَى آخِذِهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَغْصُوبِ فِي ضَمَانِهِ، وَضَمَانِ نَقْصِهِ وَمَنْفَعَتِهِ، فَيَلْزَمُهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ، إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

(8280) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَوْفَى الْحَقَّ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ: اُكْتُبْ لِي مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ; لِئَلَّا يَلْقَانِي خَصْمِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيُطَالِبَنِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى. فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ ; لِيَخْلُصَ مِنْ الْمَحْذُورِ الَّذِي يَخَافُهُ.

وَالثَّانِي، لَا تَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَكْتُبُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، أَوْ حَكَمَ بِهِ، فَأَمَّا اسْتِئْنَافُ ابْتِدَاءٍ، فَيَكْفِيهِ فِيهِ الْإِشْهَادُ، فَيُطَالِبُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الْحَقِّ ; لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَقِّ، وَيَخَافُ الضَّرَرَ بِدُونِ الْمَحْضَرِ، فَأَشْبَهَ مَا حَكَمَ بِهِ ابْتِدَاءً. وَإِنْطَالِبَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِدَفْعِ الْكِتَابِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحَقُّ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَهُ كِتَابٌ بِدَيْنٍ، فَاسْتَوْفَاهُ، أَوْ عَقَارٌ فَبَاعَهُ، لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ; وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحَقًّا، فَيَعُودَ إلَى مَالِهِ.

(8281) فَصْلٌ: وَيُقْبَلُ الْكِتَابُ مِنْ قَاضِي مِصْرٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ، وَإِلَى قَاضِي قَرْيَةٍ، وَمِنْ قَاضِي قَرْيَةٍ إلَى قَاضِي قَرْيَةٍ، وَقَاضِي مِصْرٍ. وَمِنْ الْقَاضِي إلَى خَلِيفَتِهِ، وَمِنْ خَلِيفَتِهِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَوَيَا.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى مَنْ وَصَلَهُ كِتَابِيّ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيَلْزَمُ مَنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ كِتَابُ حَاكِمٍ مِنْ وِلَايَتِهِ، وَصَلَ إلَى حَاكِمٍ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت