وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تُجْزِئُ مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعَمَّارٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَرْنُهَا يَدْمَى، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ: إذَا ذَهَبَتْ الْأُذُنُ كُلُّهَا، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ ذَهَبَ يَسِيرٌ، جَازَ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ} . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ يُجْزِئُ ; وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ، قَالَ: قُلْت لِلْبَرَاءِ فَإِنِّي أَكْرَهُ النَّقْصَ مِنْ الْقَرْنِ وَمِنْ الذَّنَبِ. فَقَالَ: اكْرَهْ لِنَفْسِك مَا شِئْت، وَإِيَّاكَ أَنْ تُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اللَّحْمُ، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَهَابُ ذَلِكَ فِيهِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ.} قَالَ قَتَادَةُ: فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمْ، الْعَضَبُ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ {: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَهَذَا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ.
(7862) فَصْلٌ: وَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعَمْيَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا ; لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ الْغَنَمِ، وَمُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ.
وَلَا تُجْزِئُ مَا قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ، كَالْأَلْيَةِ وَالْأَطْبَاءِ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الْعَجْفَاءُ، وَلَا الْجَدَّاءُ. قَالَ أَحْمَدُ: هِيَ الَّتِي قَدْ يَبِسَ ضَرْعُهَا. وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَهَابِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ.
(7863) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ وَالْوَجَأُ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَمَا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ شَلَّتَا، فَهُوَ كَالْمَوْجُوءِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ; وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ ذَهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ، وَيَكْثُرُ وَيَسْمَنُ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
(7864) فَصْلٌ: وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ، وَالصَّمْعَاءُ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ الْأُذُنِ، وَالْبَتْرَاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ مَقْطُوعًا. وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْبَتْرَاءِ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ. وَكَرِهَ اللَّيْثُ أَنْ يُضَحَّى بِالْبَتْرَاءِ مَا فَوْقَ الْقَصَبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِالْجَمَّاءِ ; لِأَنَّ ذَهَابَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَرْنِ يَمْنَعُ، فَذَهَابُ جَمِيعِهِ أَوْلَى ; وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْعَوَرُ، مَنَعَ مِنْهُ الْعَمَى، فَكَذَلِكَ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْعَضَبُ، يَمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُهُ أَجَمَّ أَوْلَى. وَلَنَا أَنَّ هَذَا نَقْصٌ لَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، وَلَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ نَهْيٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ، وَفَارَقَ الْعَضَبَ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ وَارِدٌ، وَهُوَ عَيْبٌ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدْمَى وَآلَمَ الشَّاةَ، فَيَكُونُ كَمَرَضِهَا، وَيُقَبِّحُ مَنْظَرَهَا، بِخِلَافِ الْأَجَمِّ، فَإِنَّهُ حُسْنٌ فِي الْخِلْقَةِ لَيْسَ بِمُرْضٍ وَلَا عَيْبٍ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا كَانَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ أَمْلَحَ.
وَقَالَ {: خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ} . وَأَمَرَ بِاسْتِشْرَافِ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ.
(7865) فَصْلٌ: وَتُكْرَهُ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ، وَالْمَثْقُوبَةُ، وَمَا قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهَا ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا