الْقَدْرِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} . يُرْوَى أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْعِزَّةِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ تُرْفَعْ ; لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ قَالَ، {قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ رُفِعَتْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ هِيَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ: بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْت: فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي غَيْرِهِ ؟ فَقَالَ: فِي رَمَضَانَ. فَقُلْت: فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ، أَوْ الثَّانِي، أَوْ الْآخِرِ ؟ فَقَالَ: فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ} . وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْهَا. يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا.
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي رَمَضَانَ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ ; لِئَلَّا يَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ: {الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ، فَتَتَّكِلُوا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهَا فِي جَمِيعِ لَيَالِي رَمَضَانَ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ آكَدُ، وَفِي لَيَالِي الْوَتْرِ مِنْهُ آكَدُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِي وَتْرٍ مِنْ اللَّيَالِي، لَا يُخْطِئُ إنْ شَاءَ اللَّه، كَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {اُطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ} .
وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الْوَتْرِ مِنْهَا} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَتْ: {وَكَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا} .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ} . وَقَالَتْ عَائِشَةُ {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ} . وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: {تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ} . وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ.
(2144) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أُرْجَى هَذِهِ اللَّيَالِي، فَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَمَا عَلِمْت أَبَا الْمُنْذِرِ، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ؟ قَالَ: بَلَى {أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَيْلَةٌ صَبِيحَتُهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ. فَعَدَدْنَا، وَحَفِظْنَا} ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ، فَتَتَّكِلُوا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُمْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِهِمْ، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ بِهِمْ فِي لَيْلَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، حَتَّى كَانَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَجَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، قَالَ: فَقَامَ بِهِمْ حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ} . يَعْنِي السُّحُورَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً، السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهَا