فهرس الكتاب

الصفحة 3869 من 3896

وَأَوْجَبَ فِيهِ التَّأْجِيلَ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَتَخْفِيفًا عَنْ الْمُكَاتَبِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ عَنْهُ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ، كَانَ أَبْلَغَ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْعَبْدِ، وَيَحْصُلُ مِنْ السَّيِّدِ إسْقَاطُ بَعْضِ مَالِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى إسْقَاطُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجَلِ لِمَصْلَحَتِهِ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ الدُّيُونِ بِمَا ذَكَرْنَا، وَيُفَارِقُ الْأَجَانِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا عَبْدُهُ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِعَبْدِهِ الْقِنِّ. قَوْلُهُمْ: إنَّ الرِّبَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا. فَنَمْنَعُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَإِنَّ هَذَا مُفَارِقٌ لِسَائِرِ الرِّبَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا يُخَالِفُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ ; فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ لِبَعْضِ الدَّيْنِ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّة زِيَادَةٌ فِي الدَّيْنِ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةُ يُفْضِي إلَى نَفَادِ مَالِ الْمَدِينِ، وَتَحَمُّلِهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ، فَيُحْبَسُ مِنْ أَجْلِهِ، وَيُؤْسَرُ بِهِ، وَهَذَا يُفْضِي إلَى تَعْجِيلِ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، وَخَلَاصِهِ مِنْ الرِّقِّ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ، فَافْتَرَقَا.

(8823) فَصْلٌ: فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ وَالدَّيْنِ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفٍ، فِي نَجْمَيْنِ، إلَى سَنَةٍ، يُؤَدِّي فِي نِصْفِهَا خَمْسَمِائَةٍ، وَفِي آخِرِهَا الْبَاقِيَ، فَيَجْعَلَانِهَا إلَى سَنَتَيْنِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتُّمِائَةٍ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ، فَيَقُولَ: أَخِّرْنِي بِهِ إلَى كَذَا، وَأَزِيدُك كَذَا. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ إلَى وَقْتٍ، لَا يَتَأَخَّرُ أَجَلُهُ عَنْ وَقْتِهِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ أَجَلُهُ بِتَغْيِيرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ وَقْتِهِ، لَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي مُقَابَلَتِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ، وَيُفَارِقُ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَمَا أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَأَخَّرُ، كَذَلِكَ لَا يُتَعَجَّلُ، وَلَا يَصِيرُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ حَالًّا، فَلِمَ جَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ؟ قُلْنَا: إنَّمَا جَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِالتَّعْجِيلِ فِعْلًا، فَإِنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ مَحِلِّهِ، جَازَ، وَجَازَ لِلسَّيِّدِ إسْقَاطُ بَاقِي حَقِّهِ عَلَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَهُوَ ضِدُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ; لِأَنَّ فِي ضِمْنِ الْكِتَابَةِ أَنَّكَ مَتَى أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ.

فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا غُيِّرَ الْأَجَلُ وَالْعِوَضُ فَكَأَنَّهُمَا فَسَخَا الْكِتَابَةَ الْأُولَى، وَجَعَلَاهَا كِتَابَةً ثَانِيَةً. قُلْنَا: لَمْ يَجْزِ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَا تَغْيِيرَ الْعِوَضِ وَالْأَجَلِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِحُّ، فَيَبْطُلُ التَّغْيِيرُ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِحَالِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. فَعَلَى هَذَا، لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، لَوْ قَالَ: أُعَجِّلُ لَك مَالَ الْكِتَابَةِ، وَتُسْقِطُ عَنِّي مِنْهُ كَذَا ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّعْجِيلِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ أَجَلِهِ وَلَا يَتَقَدَّمُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَلِمَنْ لَهُ الدَّيْنُ تَرْكُ قَبْضِهِ فِي مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا وَعَدَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ.

(8824) فَصْلٌ: وَإِنْ صَالَحَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ النُّقُودِ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ، جَازَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينِ. وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ، أَوْ عَنْ الْحِنْطَةِ بِشَعِيرٍ، لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ، فَلَمْ تَجُزْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت