فهرس الكتاب

الصفحة 2234 من 3896

نَقْصَ الرِّقِّ كَبِيرٌ، وَضَرَرَهُ بَيِّنٌ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْ امْرَأَتِهِ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ، وَهُوَ كَالْمَعْدُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ. وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ لَبَرِيرَةَ: لَوْ رَاجَعْتِيهِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: إنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ. قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَمُرَاجَعَتُهَا لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ قَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِاخْتِيَارِهَا، وَلَا يَشْفَعُ إلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ تَنْكِحَ عَبْدًا إلَّا وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ.

(5193) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْيَسَارُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، هُوَ شَرْطٌ فِي الْكَفَاءَةِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْحَسَبُ الْمَالُ. وَقَالَ: إنَّ أَحْسَابَ النَّاسِ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هَذَا الْمَالُ. وَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَطَبَهَا: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، لَا مَالَ لَهُ}

وَلِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إعْسَارِ زَوْجِهَا ; لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَمُؤْنَةِ أَوْلَادِهَا، وَلِهَذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِإِخْلَالِهِ بِالنَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُقَارِنًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ نَقْصًا فِي عُرْفِ النَّاسِ، يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ كَتَفَاضُلِهِمْ فِي النَّسَبِ وَأَبْلَغَ، قَالَ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ:

سَأَلَتَانِي الطَّلَاقَ أَنْ رَأَتَانِي قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ وَيْكَأَنَّ مَنْ لَهُ نَشَبٌ مُحَبَّبٌ

وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ

فَكَانَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، كَالنَّسَبِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِشَرْطٍ ; لِأَنَّ الْفَقْرَ شَرَفٌ فِي الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا} . وَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا لَازِمًا، فَأَشْبَهَ الْعَافِيَةَ مِنْ الْمَرَضِ، وَالْيَسَارُ الْمُعْتَبَرُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، حَسْبَ مَا يَجِبُ لَهَا، وَيُمْكِنُهُ أَدَاءُ مَهْرِهَا.

(5194) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصِّنَاعَةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ أَيْضًا ; إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا شَرْطٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّنَائِعِ الدَّنِيئَةِ، كَالْحَائِكِ، وَالْحَجَّامِ، وَالْحَارِسِ، وَالْكَسَّاحِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْقَيِّمِ، وَالْحَمَّامِيِّ، وَالزَّبَّالِ، فَلَيْسَ بِكُفْءٍ لِبَنَاتِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ، أَوْ أَصْحَابِ الصَّنَائِعِ الْجَلِيلَةِ، كَالتِّجَارَةِ، وَالْبِنَايَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ، فَأَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا، أَوْ حَجَّامًا} . قِيلَ لِأَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَيْفَ تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ ؟ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ. يَعْنِي أَنَّهُ وَرَدَ مُوَافِقًا لِأَهْلِ الْعُرْفِ. وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ، وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الدِّينِ، وَلَا هُوَ لَازِمٌ، فَأَشْبَهَ الضَّعْفَ وَالْمَرَضَ، قَالَ بَعْضُهُمْ:

أَلَا إنَّمَا التَّقْوَى هِيَ الْعِزُّ وَالْكَرَمُ وَحُبُّك لِلدُّنْيَا هُوَ الذُّلُّ وَالسَّقَمُ

وَلَيْسَ عَلَى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ إذَا حَقَّقَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمَ

وَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ، فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِعَدَمِهَا، وَلَكِنَّهَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الْأَوْلِيَاءِ ; لِأَنَّ ضَرَرَهُ مُخْتَصٌّ بِهَا.

وَلِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْذُومِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الْكَفَاءَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت