فهرس الكتاب

الصفحة 1396 من 3896

لِمَصْلَحَتِهِ، فَإِنْ اقْتَصَّ، لَمْ يَجِبْ لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ. وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، ثَبَتَ، وَتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ.

وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِي مُوجِبِ الْعَمْدِ، إنْ قُلْنَا: الْقِصَاصُ خَاصَّةً. لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ. وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُ أَمْرَيْنِ. ثَبَتَتْ لَهُ الدِّيَةُ، وَتَعَلَّقَتْ بِهَا حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ. وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا. فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَاصُ عَيْنًا. لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ. وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ. تَثْبُتُ الدِّيَةُ، وَلَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُهُ، لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْ الْقِصَاصِ يُثْبِتُ لَهُ الدِّيَةَ، وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهَا. وَإِنْ وَهَبَ هِبَةً بِشَرْطِ الثَّوَابِ، ثُمَّ أَفْلَسَ، فَبُذِلَ لَهُ الثَّوَابُ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إسْقَاطُهُ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ الْمَوْهُوبِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ.

وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أُجْرَةٍ فِي إجَارَةٍ، وَلَا قَبْضُهُ رَدِيئًا، وَلَا قَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دُونَ صِفَاتِهِ، إلَّا بِإِذْنِ غُرَمَائِهِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا.

(3462) فَصْلٌ إذَا فُرِّقَ مَالُ الْمُفْلِسِ، فَهَلْ يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ بِذَلِكَ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَزُولُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، زَالَ سَبَبُ الْحَجْرِ، فَزَالَ الْحَجْرُ، كَزَوَالِ حَجْرِ الْمَجْنُونِ، لِزَوَالِ جُنُونِهِ.

وَالثَّانِي، لَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِهِ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ. وَفَارَقَ الْجُنُونَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، فَزَالَ بِزَوَالِهِ.

وَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَبِحَثِّ، فَوَقْفُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ.

(3463) فَصْلٌ: وَمَتَى ثَبَتَ إعْسَارُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ مُطَالَبَتُهُ وَمُلَازَمَتُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِغُرَمَائِهِ مُلَازَمَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْكَسْبِ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، دَخَلُوا مَعَهُ، وَإِلَّا مَنَعُوهُ مِنْ الدُّخُولِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ وَاللِّسَانُ.}

وَلَنَا، أَنَّ مَنْ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَته، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُلَازَمَتُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ دَيْنُهُ مُؤَجَّلًا، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {: فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ} .

وَمَنْ وَجَبَ إنْظَارُهُ، حَرُمَتْ مُلَازَمَتُهُ، كَمَنْ دَيْنُهُ مُؤَجَّلٌ. وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ. قَالَهُ. ابْنُ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْمُوسِرِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِغُرَمَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ: {خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَإِنْ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ مُطَالَبَتُهُ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ، حَتَّى يَمْلِكَ مَالًا، فَإِنْ جَاءَ الْغُرَمَاءُ عَقِيبَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ، فَادَّعَوْا أَنَّ لَهُ مَالًا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ، حَتَّى يُثْبِتُوا سَبَبَهُ، فَإِنْ جَاءُوا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَادَّعَوْا أَنَّ فِي يَدِهِ مَالًا، أَوْ ادَّعَوْا ذَلِكَ عَقِيبَ فَكِّ الْحَجْرِ، وَبَيَّنُوا سَبَبَهُ أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ وَسَأَلَهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ مَا فَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ أَقَرَّ، وَقَالَ: هُوَ لِفُلَانٍ، وَأَنَا وَكِيلُهُ أَوْ مُضَارِبُهُ.

وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ حَاضِرًا، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَهُوَ لَهُ، وَيَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا تَوَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ. لِيَدْفَعَ الْمُطَالَبَةَ عَنْ الْمُفْلِسِ. وَإِنْ قَالَ: مَا هُوَ لِي. عَرَفْنَا كَذِبَ الْمُفْلِسِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: الْمَالُ لِي. فَيُعَادُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ إنْ طَلَبَ الْغُرَمَاءُ ذَلِكَ. وَإِنْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ، أَقَرَّ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، ثُمَّ يُسْأَلُ، كَمَا حَكَمْنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت