فهرس الكتاب

الصفحة 1395 من 3896

ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ.

وَلَمَّا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، {أَنَّ رَجُلًا أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، وَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ. فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ، فَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَيْهِ، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَمَا لَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى التَّزْوِيجِ لِتَأْخُذَ الْمَهْرَ.

وَالثَّانِيَةُ، يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ سَرَقًا فِي دَيْنِهِ، وَكَانَ سَرَقَ رَجُلًا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَاءَهُ مَالًا، فَدَايَنَهُ النَّاسُ، فَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَالٌ، فَسَمَّاهُ سَرَقًا، وَبَاعَهُ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ. وَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ، ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ. وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ، فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ، وَثُبُوتِ الْغِنَى بِهَا، فَكَذَلِكَ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا.

وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا، كَبَيْعِ مَالِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا. وَلِأَنَّهَا إجَارَةٌ لِمَا يَمْلِكُ إجَارَتَهُ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ، كَإِجَارَةِ أَمِّ وَلَدِهِ. وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ، فَلَزِمَهُ. كَمَالِكِ مَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ سَرَقٍ مَنْسُوخٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ، وَالْبَيْعُ وَقَعَ عَلَى رَقَبَتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْغُرَمَاءَ قَالُوا لِمُشْتَرِيهِ: مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ أُعْتِقُهُ. قَالُوا: لَسْنَا بِأَزْهَدَ مِنْك فِي إعْتَاقِهِ. فَأَعْتَقُوهُ.

قُلْنَا: هَذَا إثْبَاتُ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِنَا، وَحَمْلُ لَفْظِ بَيْعِهِ عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِهِ أَسْهَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَيْعِ رَقَبَتِهِ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ وَإِقَامَةَ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ سَائِغٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ}

{. وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ.}

{وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ.}

وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:"أُعْتِقُهُ". أَيْ مِنْ حَقِّي عَلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ قَالَ:"فَأَعْتَقُوهُ"يَعْنِي الْغُرَمَاءَ، وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ.}

فَيَتَوَجَّه مَنْعُ كَوْنِهِ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِهَا ; فَإِنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْأَغْنِيَاءِ، فِي حِرْمَانِ الزَّكَاةِ، وَسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْ قَرِيبِهِ، وَوُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِهِ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لِذَلِكَ الْغَرِيمِ كَسْبًا يَفْضُلُ عَنْ قَدْرِ نَفَقَتِهِ. وَأَمَّا قَبُولُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، فَفِيهِ مِنَّةٌ وَمَعَرَّةٌ تَأْبَاهَا قُلُوبُ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ إلَّا مَنْ فِي كَسْبِهِ فَضْلَةٌ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَنَفَقَةِ مِنْ يُمَوِّنُهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

(3461) فَصْلٌ: وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ هَدِيَّةٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَا وَصِيَّةٍ وَلَا قَرْضٍ، وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى التَّزَوُّجِ، لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا لِلُحُوقِ الْمِنَّةِ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعِوَضِ فِي الْقَرْضِ، وَمِلْكِ الزَّوْجِ لِلْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ، وَوُجُوبِ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا. وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ أَفْلَسَ، فَالْخِيَارُ بِحَالِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنْ الرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ ; لِأَنَّ الْفَلَسَ يَمْنَعُهُ مِنْ إحْدَاثِ عَقْدٍ، أَمَّا مِنْ إمْضَائِهِ وَتَنْفِيذِ عُقُودِهِ فَلَا.

وَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْمُفْلِسِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ الْمَالَ، ثَبَتَ الْمَالُ، وَتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفَوِّتُ الْقِصَاصَ الَّذِي يَجِبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت