الْقَذْفِ، وَالْوَقْفِ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَا تَسْمَعُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَإِذْنِهِ، وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَى الدَّعْوَى ; وَدَلِيلٌ لَهَا، فَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي، مَا كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ أَوْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ سِقَايَةٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ، أَوْ الْوَصِيَّةِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا، أَوْ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ الزَّكَاةِ، أَوْ الْكَفَّارَةِ، فَلَا تَفْتَقِرُ الشَّهَادَةُ بِهِ، إلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ يَدَّعِيه، وَيُطَالِبُ بِهِ، وَلِذَلِكَ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَشَهِدَ الْجَارُودُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَشَهِدَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَيْضًا، مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، فَأُجِيزَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ قَبُولٌ، مِنْ أَحَدٍ، وَلَا رِضًى مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ، كَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالطَّلَاقِ، أَوْ الظِّهَارِ، أَوْ إعْتَاقِ الرَّقِيقِ، تَجُوزُ الْحِسْبَةُ بِهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ دَعْوَى. وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ابْتِدَاءً، ثَبَتَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُمَا الْمَشْهُودُ بِعِتْقِهِ، أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَمَةِ. وَقَالَ فِي الْعَبْدِ: لَا يَثْبُتُ، مَا لَمْ يُصَدِّقْ الْعَبْدُ بِهِ، وَيَدَّعِيه ; لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقُّهُ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ. وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِعِتْقٍ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى، كَعِتْقِ الْأَمَةِ، وَيُخَالِفُ سَائِرَ الْحُقُوقِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْعِتْقِ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَمَةُ يَتَعَلَّقُ بِإِعْتَاقِهَا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ. قُلْنَا: هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ الْمَنْعَ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، وَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَة بِهِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى.
(8418) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ، لَمْ يَخْلُ ; إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا، أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا، لَمْ يَجُزْ لِلشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ ذَلِكَ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، فَلَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِرِضَاهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا، جَازَ لِلشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا قَبْلَ طَلَبِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَمَالِكٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ"الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا الَّذِي هِيَ لَهُ". وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ; وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا، فَتَرْكُهُ طَلَبَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا، بِخِلَافِ الْعَالِمِ بِهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
(8419) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي أَدَائِهَا، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِكَذَا. وَنَحْوَهُ. وَلَوْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ أُحِقُّ، أَوْ أَتَيَقَّنُ، أَوْ أَعْرِفُ. لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهَادَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا، وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللَّفَظَاتِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَمِينِ فَيُقَالُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ. وَلِهَذَا تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّعَانِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.