وَلَنَا، أَنَّ الْغَرَضَ بِالْحَضَانَةِ الْحَظُّ، وَالْحَظُّ لِلْجَارِيَةِ بَعْدَ السَّبْعِ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ أَبِيهَا ; لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ، وَالْأَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْأُمَّ تَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا وَيَصُونُهَا، وَلِأَنَّهَا إذَا بَلَغْت السَّبْعَ، قَارَبَتْ الصَّلَاحِيَةَ لِلتَّزْوِيجِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ سَبْعٍ، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ الْجَارِيَةُ مِنْ أَبِيهَا ; لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، وَالْمَالِكُ لِتَزْوِيجِهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْكَفَاءَةِ، وَأُقْدَرُ عَلَى الْبَحْثِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُصَارُ إلَى تَخْيِيرِهَا ; لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْغُلَامِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَالتَّزْوِيجِ، كَحَاجَتِهَا إلَيْهِ، وَلَا عَلَى سِنِّ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّ قَوْلَهَا حِينَئِذٍ مُعْتَبَرٌ فِي إذْنِهَا، وَتَوْكِيلِهَا، وَإِقْرَارِهَا، وَاخْتِيَارِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا بَعْدَ السَّبْعِ عَلَى مَا قَبْلَهَا ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي دَلِيلِنَا.
(6543) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ عِنْدَ الْأَبِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ; لِأَنَّ تَأْدِيبَهَا وَتَخْرِيجَهَا فِي جَوْفِ الْبَيْتِ، مِنْ تَعْلِيمِهَا الْغَزْلَ وَالطَّبْخَ وَغَيْرَهُمَا، وَلَا حَاجَةَ بِهَا إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الْآخَرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الزَّوْجُ بِأُمِّهَا، وَلَا يُطِيلُ، وَلَا يَتَبَسَّطُ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا تَمْنَعُ تَبَسُّطَ أَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلِ الْآخَرِ وَإِنْ مَرِضَتْ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِتَمْرِيضِهَا فِي بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ عِنْدَ الْأُمِّ بَعْدَ السَّبْعِ، لِاخْتِيَارِهِ لَهَا، كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا، وَيَأْخُذُهُ الْأَبُ نَهَارًا لِيُسَلِّمَهُ فِي مَكْتَبٍ، أَوْ فِي صِنَاعَةٍ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ حَظُّ الْغُلَامِ وَحَظُّهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْأَبِ، كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ ; لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ إغْرَاءٌ بِالْعُقُوقِ، وَقَطِيعَةٌ لِلرَّحِمِ
وَإِنْ مَرِضَ، كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِتَمْرِيضِهِ فِي بَيْتِهَا ; لِأَنَّهُ صَارَ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ، فِي الْحَاجَةِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهِ كَالصَّغِيرِ وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَالْوَلَدُ عِنْدَ الْآخَرِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ عِيَادَتِهِ، وَحُضُورِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ; لِأَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْمَرِيضَ مِنْ الْمَشْيِ إلَى وَلَدِهِ، فَمَشْيُ وَلَدِهِ إلَيْهِ أَوْلَى فَأَمَّا فِي حَالِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ الْغُلَامَ يَزُورُ أُمَّهُ ; لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، فَسَتْرُهَا أَوْلَى، وَالْأُمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ، تَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةٍ وَسَتْرٍ، وَسَتْرُ الْجَارِيَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَخَرَّجَتْ وَعَقَلَتْ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ.
(6544) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ السَّفَرَ لَحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ، وَالْآخَرُ مُقِيمٌ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ ; لِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِالْوَلَدِ إضْرَارًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَقِلًا إلَى بَلَدٍ لِيُقِيمَ بِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا أَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَخُوفًا، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ ; لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهِ خَطَرًا بِهِ، وَلَوْ اخْتَارَ الْوَلَدُ السَّفَرَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ آمِنًا، وَطَرِيقُهُ آمِنٌ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُقِيمَ أَوْ الْمُنْتَقِلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قَرِيبٌ، بِحَيْثُ يَرَاهُمْ الْأَبُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَرَوْنَهُ، فَتَكُونَ الْأُمُّ عَلَى حَضَانَتِهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ السَّفَرُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا ; وَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَبِ لَهُ مُمْكِنَةٌ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْبُعْدَ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ، يَمْنَعُهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ، وَتَعْلِيمِهِ، وَمُرَاعَاةِ حَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَبِ عِنْدَ افْتِرَاقِ الدَّارِ بِهِمَا، قَالَ شُرَيْحٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ انْتَقَلَ الْأَبُ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ انْتَقَلْت الْأُمُّ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ، فَهِيَ أَحَقُّ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ