فهرس الكتاب

الصفحة 1357 من 3896

وَمَتَى اسْتَأْجَرَهَا الْمُرْتَهِنُ، أَوْ اسْتَعَارَهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا رَهْنًا، فَمَتَى انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ، أَوْ الْعَارِيَّةُ، عَادَ الرَّهْنُ بِحَالِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ دَارًا، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: اُسْكُنْهَا بِكِرَائِهَا، وَهِيَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّي يَنْتَقِلُ فَيَصِيرُ دَيْنًا، وَيَتَحَوَّلُ عَنْ الرَّهْنِ.

وَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَاهَا لِلرَّاهِنِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا ارْتَهَنَ دَارًا، ثُمَّ أَكْرَاهَا لِصَاحِبِهَا، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ صَارَتْ رَهْنًا. وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الرَّهْنِ، إذَا اسْتَأْجَرَهَا الْمُرْتَهِنُ، أَوْ اسْتَعَارَهَا ; لِأَنَّ الْقَبْضَ مُسْتَدَامٌ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي سُكْنَاهَا، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ الْيَدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَنَهَا الْمُرْتَهِنُ.

وَمَتَى اسْتَعَارَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى الْعَارِيَّةِ، فَإِنَّهَا عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ وَعِنْدَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.

(3370) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ، قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارِ، بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي عَبْدَك يَخْدُمُنِي شَهْرًا. فَيَكُونُ بَيْعًا وَإِجَارَةً، فَهُوَ صَحِيحٌ.

وَإِنْ أَطْلَقَ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ; لِجَهَالَةِ ثَمَنِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْبَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَكَرِهَهُ فِي الْقَرْضِ. وَلَنَا، أَنَّهُ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ مَا يُنَافِيه، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي الْقَرْضِ.

(3371) فَصْلٌ: الْحَالُ الثَّانِي مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُؤْنَةٍ، فَحُكْمُ الْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ وَالِانْتِفَاعِ بِقَدْرِهِ، جَازَ ; لِأَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ. وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْإِذْنِ، فَإِنْ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ; مَحْلُوبًا وَمَرْكُوبًا، وَغَيْرَهُمَا، فَأَمَّا الْمَحْلُوبُ وَالْمَرْكُوبُ، فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَيَرْكَبَ، وَيَحْلُبَ، بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَأَحْمَدَ بْن الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَسَوَاءٌ أَنَفَقَ مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ، لِغَيْبَتِهِ، أَوْ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ، أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَاسْتِئْذَانِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهَا، وَلَا يَنْتَفِعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ} .

وَلِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَا الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا} ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ. فَجَعَلَ مَنْفَعَتَهُ بِنَفَقَتِهِ، وَهَذَا مَحِلُّ النِّزَاعِ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ وَيَنْتَفِعُ. قُلْنَا: لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدِهِمَا، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ:"إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلْفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ وَيَرْكَبُ نَفَقَتُهُ". فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ الْمُرْتَهِنَ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعَ. وَالثَّانِي، أَنَّ قَوْلَهُ:

(بِنَفَقَتِهِ) يُشِيرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت