وَلَا غَيْرَهُ، فَإِنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِي الْعِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْت شَهْرًا مُتَتَابِعًا، أَوْ مُتَفَرِّقًا. كَانَ عَلَى مَا شَرَطَهُ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ ; لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ شَرْطًا كَانَ إحْرَامُهُ الَّذِي فَعَلَهُ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكْمَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي صِيغَةِ الشَّرْطِ، فَإِنْ قَالَ: إنْ مَرِضْت فَلِي أَنْ أَحِلَّ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي. فَإِذَا حُبِسَ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْحِلِّ وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ. وَإِنْ قَالَ: إنْ مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ. فَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ، حَلَّ بِوُجُودِهِ. لِأَنَّهُ شَرْطٌ صَحِيحٌ، فَكَانَ عَلَى مَا شَرَطَ.
(2441) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَرْفُضُ إحْرَامِي وَأَحِلُّ. فَلَبِسَ الثِّيَابَ، وَذَبَحَ الصَّيْدَ، وَعَمِلَ مَا يَعْمَلُهُ الْحَلَالُ، كَانَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ، فَعَلَيْهِ لِلْوَطْءِ بَدَنَةٌ، مَعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الدِّمَاءِ.)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ; كَمَالِ أَفْعَالِهِ، أَوْ التَّحَلُّلِ عِنْد الْحَصْرِ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ. فَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ لَمْ يَحِلَّ، وَلَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِرَفْضِهِ ; لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِرَفْضِهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَيَكُونُ الْإِحْرَامُ بَاقِيًا فِي حَقِّهِ، تَلْزَمُهُ أَحْكَامُهُ، وَيَلْزَمُهُ جَزَاءُ كُلِّ جِنَايَةٍ جَنَاهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَطِئَ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَعَلَيْهِ لِذَلِكَ بَدَنَةٌ، مَعَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّمَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْجِنَايَاتِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ تُوجِبُ الْجَزَاءَ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِرَفْضِهِ الْإِحْرَامَ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لَمْ تُؤَثِّرْ شَيْئًا.
(2442) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ إلَّا بِالْجِمَاعِ، فَإِذَا فَسَدَ فَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ، وَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ: يَجْعَلُ الْحَجَّةَ عُمْرَةً، وَلَا يُقِيمُ عَلَى حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ. وَقَالَ دَاوُد: يَخْرُجُ بِالْإِفْسَادِ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ} .
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} . وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْهُ، كَالْفَوَاتِ، وَالْخَبَرُ لَا يُلْزِمُنَا ; لِأَنَّ الْمُضِيَّ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ. وَنَخُصُّ مَالِكًا بِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالْإِخْرَاجِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى عُمْرَةٍ كَالصَّحِيحَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ الْفَاسِدِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ قَبْلَهُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالرَّمْيِ، وَيَجْتَنِبُ بَعْدَ الْفَسَادِ كُلَّ مَا يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ، مِنْ الْوَطْءِ ثَانِيًا، وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَالطِّيبِ، وَاللِّبَاسِ، وَنَحْوِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ، كَالْفِدْيَةِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ. فَأَمَّا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَيَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَاجِبَةً بِأَصْلِ الشَّرْعِ، أَوْ بِالنَّذْرِ، أَوْ قَضَاءً، كَانَتْ الْحَجَّةُ مِنْ قَابِلٍ مُجَزِّئَةً ; لِأَنَّ الْفَاسِدَ إذَا