فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 3896

(1864) فَصْلٌ: وَإِذَا بِيعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ، فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ حَاكِمٌ، صَحَّ ; لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَصَحَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَسَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ. وَإِنْ بَاعَ الْإِمَامُ شَيْئًا لِمُصْلِحَةِ رَآهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَا يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ لَا يَعْمُرُهَا إلَّا مِنْ يَشْتَرِيهَا، صَحَّ أَيْضًا ; لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ، فِي كِتَابِ فُتُوحِ الشَّامِ، قَالَ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشْيَخَتِنَا إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عَبْدَ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدَ وَسَلْمَانَ أَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي شِرَاءِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَذِنُوا لَهُمْ عَلَى إدْخَالِ أَثْمَانِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.

فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الْأَشْرِيَةِ ; لِاخْتِلَاطِ الْأُمُورِ فِيهَا لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الْمَوَارِيثِ وَمُهُورِ النِّسَاءِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ وَلَا مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَكَتَبَ كِتَابًا قُرِئَ عَلَى النَّاسِ سَنَةَ الْمِائَةِ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ وَسَمَّيْ سَنَةَ مِائَةٍ سَنَةَ الْمُدَّةِ، فَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ شِرَائِهَا، ثُمَّ اشْتَرَوْا أَشَرْيَةً كَثِيرَةً كَانَتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا تُؤَدِّي الْعُشْرَ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إلَى الْمَنْصُورِ رُفِعَتْ تِلْكَ الْأَشْرِيَةِ إلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالْخَرَاجِ فَأَرَادَ رَدَّهَا إلَى أَهْلِهَا فَقِيلَ لَهُ: قَدْ وَقَعَتْ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْمُهُورِ، وَاخْتَلَطَ أَمْرُهَا فَبَعَثَ الْمُعَدِّلِينَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ إلَى حِمْصَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ إلَى بَعْلَبَكَّ، وَهِضَابُ بْنُ طَوْقٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زُرَيْقٍ إلَى الْغُوطَةِ.

وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَضَعُوا عَلَى الْقَطَائِعِ وَالْأَشْرِيَةِ الْعَظِيمَةِ الْقَدِيمَةِ خَرَاجًا وَوَضَعُوا الْخَرَاجَ عَلَى مَا بَقِيَ بِأَيْدِي الْأَنْبَاطِ، وَعَلَى الْأَشْرِيَةِ الْمُحْدَثَةِ مِنْ بَعْدِ سَنَةِ مِائَةٍ إلَى السَّنَةِ الَّتِي عُدِّلَ فِيهَا. فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مَا بَاعَهُ إمَامٌ، أَوْ بِيعَ بِإِذْنِهِ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِهِ، هَذَا الْمَجْرَى، فِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِل، وَيُتْرَكَ فِي يَدِ مُشْتَرِيه، أَوْ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، إلَّا مَا بِيعَ قَبْلَ الْمِائَةِ السَّنَة فَإِنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، كَمَا نُقِلَ فِي هَذَا الْخَبَرِ.

(1865) فَصْلٌ: وَحُكْمُ إقْطَاعِ هَذِهِ الْأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِهَا فِي أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عُمَرَ، أَوْ مِمَّا كَانَ قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَهُوَ لِأَهْلِهِ. وَمَا كَانَ بَعْدَهَا، ضُرِبَ عَلَيْهِ، كَمَا فَعَلَ الْمَنْصُورُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ، فِي كِتَابِهِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ - أَظُنُّهُ الْمَنْصُورَ - سَأَلَهُ فِي مَقْدِمِهِ الشَّامَ، سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، عَنْ سَبَبِ الْأَرْضِينَ الَّتِي بِأَيْدِي أَبْنَاء الصَّحَابَةِ، يَذْكُرُونَ أَنَّهَا قَطَائِعُ لِآبَائِهِمْ قَدِيمَةٌ. فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَصَالَحُوا أَهْلَ دِمَشْق وَأَهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أَنْ يَتِمَّ ظُهُورُهُمْ، وَإِثْخَانُهُمْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ، فَعَسْكَرُوا فِي مَرْجِ بَرَدَى، بَيْنَ الْمِزَّةِ إلَى مَرْجِ شَعْبَانَ، وَجَنْبَتَيْ بَرَدَى مُرُوجٌ كَانَتْ مُبَاحَةً فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ دِمَشْق وَقُرَاهَا، لَيْسَتْ لَأَحَدٍ مِنْهُمْ، فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى أَوْطَأَ اللَّهُ بِهِمْ الْمُشْرِكِينَ قَهْرًا وَذُلًّا، فَأَحْيَا كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهُمْ، وَهَيَّئُوا بِهَا بِنَاءً، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَأَمْضَاهُ لَهُمْ، وَأَمْضَاهُ عُثْمَانُ مِنْ بَعْدِهِ إلَى وِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَقَدْ أَمْضَيْنَاهُ لَهُمْ. وَعَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَتَحُوا حِمْصَ لَمْ يَدْخُلُوهَا، بَلْ عَسْكَرُوا عَلَى نَهْرِ الْأَرْبَدِ، فَأَحْيَوْهُ، فَأَمْضَاهُ لَهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ تَعَدَّوْا إذْ ذَاكَ إلَى جِسْرِ الْأَرْبَدِ، الَّذِي عَلَى بَابِ الرَّسْتَنِ، فَعَسْكَرُوا فِي مَرْجِهِ مُسَلَّحَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَا أَمْضَاهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت