وَغَيْرُهُ مِنْ عُمُومَاتِ الْأَخْبَارِ.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ} . ثُمَّ قَالَ: نَتْرُكُ الْقُرْآنَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ يَجُوزُ وُجُوبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُسْلِمِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْكَفَّارَةِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ جِزْيَةٌ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:"وَكَانَ لِمُسْلِمِ"يَعْنِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ سِوَى الْخَرَاجِ. قَالَ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} . فَأَيُّ طُهْرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ سَبَبَيْهِمَا يَتَنَافَيَانِ. غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَإِنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَالْعُشْرُ زَكَاةُ الزَّرْعِ، وَلَا يَتَنَافَيَانِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، وَلَوْ كَانَ الْخَرَاجُ عُقُوبَةً لِمَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ، كَالْجِزْيَةِ..
(1869) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ مَا لَا عُشْرَ فِيهِ، كَالثِّمَارِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَالْخَضْرَاوَاتِ، وَفِيهَا زَرْعٌ فِيهِ الزَّكَاةُ، جُعِلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرَاجِ، وَزُكِّيَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، إذَا كَانَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ وَافِيًا بِالْخَرَاجِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أُدِّيَ الْخَرَاجُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَزُكِّيَ مَا بَقِيَ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ عَامِلِهِ عَلَى فِلَسْطِينَ، فِي مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ يَحْرُثهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يَقْبِضَ مِنْهَا جِزْيَتَهَا، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهَا زَكَاةَ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْجِزْيَةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: أَنَا اُبْتُلِيت بِذَلِكَ، وَمِنِّي أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْخَرَاجَ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ، فَيُمْنَعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي قَدْرِهِ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ، وَاسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ، احْتَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ دُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ. لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَحْتَسِبُ بِالدَّيْنَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يُخْرِجُ مِمَّا بَعْدَهُمَا. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْسِبُ كُلَّ دَيْنٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْعُشْرَ مِمَّا بَقِيَ إنَّ بَلَغَ نِصَابًا.
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَلَا عُشْرَ فِيهِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ زَكَاةٌ، فَمَنَعَ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا، كَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ، فَمَنَعَ وُجُوبَ الْعُشْرِ، كَالْخَرَاجِ، وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَى زَرْعِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ، فَالْحَاصِلُ فِي مُقَابَلَتِهِ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ.
(1870) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ دُونَ مَالِكِ الْأَرْضِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشَرِيكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَلَى مَالِك الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا، فَأَشْبَهَ الْخَرَاجَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الزَّرْعِ، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهِ، كَزَكَاةِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا أَعَدَّهُ لِلتِّجَارَةِ، وَكَعُشْرِ زَرْعِهِ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مُؤْنَتِهَا لَوَجَبَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ، كَالْخَرَاجِ، وَلَوَجَبَ عَلَى الذِّمِّيِّ