عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِلْعَبْدِ إسْقَاطَهُ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ، أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ. وَإِنْ كَانَ عِوَضُ الْكِتَابَةِ أَقَلَّ، اعْتَبَرْنَاهُ ; لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَقَدْ ضَعُفَ مِلْكُهُ فِيهِ، وَصَارَ عِوَضَهُ.
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ سِوَى الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَإِنَّنَا نَضُمُّ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ إلَى مَالِهِ، وَنَعْمَلُ بِحِسَابِهِ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ بِثُلُثِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّاهُ، عَتَقَ، وَإِلَّا رَقَّ مِنْهُ ثُلُثُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ، فَبَقِيَ ثُلُثُهُ بِخَمْسِينَ، فَأَدَّاهَا، أَنْ يَقُولَ: قَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ. لِأَنَّهُ حُسِبَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمِائَةٍ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِثُلُثِهِ خَمْسُونَ، فَقَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بِمَا عَتَقَ مِنْهُ ; لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ يَحْصُلُ لَهُمْ بِعَقْدِ السَّيِّدِ، وَالْإِرْثِ عَنْهُ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ ; لِأَنَّ رُبْعَهُ يَجِبُ إيتَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ، فَلَا يُحْسَبُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ. فَعَلَى هَذَا، إذَا كَانَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِ الْمُكَاتَبِ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَةً، وَلِلْمَيِّتِ مِائَةٌ أُخْرَى، عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ، وَحَصَلَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ كِتَابَةِ الْعَبْدِ خَمْسُونَ، عَنْ ثُلُثِ الْعَبْدِ الْمَحْسُوبِ عَلَيْهِمْ بِثُلُثِ الْمِائَةِ، فَقَدْ زَادَ لَهُمْ ثُلُثُ الْخَمْسِينَ، فَيَعْتِقَ مِنْ الْعَبْدِ قَدْرُ ثُلُثِهَا، وَهُوَ تُسْعُ الْخَمْسِينَ، وَذَلِكَ نِصْفُ تُسْعِهِ، فَصَارَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فِي ثُلُثَيْهِ، وَنِصْفِ تُسْعِهِ، وَحَصَلَ لِلْوَرَثَةِ الْمِائَةُ، وَثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِ الْخَمْسِينَ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَعْتَقْتُمْ بَعْضَهُ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ ؟ قُلْنَا: إنَّمَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُ هَاهُنَا بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهِ، لَا بِالْكِتَابَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، نَفَذَ فِي ثُلُثِ مَالِهِ، وَبَقِيَ بَاقِيه لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ، إذَا كَانَ عِتْقُهُ بِهَا، لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَمَا حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ، وَيَخْتَصُّ الْمُعَاوَضَةَ، فَلَمْ تَثْبُتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعِوَضِ.
(8788) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى سَيِّدُهُ بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ إبْرَائِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى إيقَاعِ الْعِتْقِ ; لِأَنَّهُ أَوْصَى بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ، أَعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ، وَيَبْقَى بَاقِيه عَلَى بَاقِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّاهُ، عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ عَجَزَ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَرَقَّ الْبَاقِي. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَتَنَجَّزَ عِتْقُ ثُلُثِهِ فِي الْحَالِ، كَقَوْلِنَا فِي مَنْ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ، أَوْ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ: إنَّهُ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ فِي الْحَالِ شَيْءٌ. وَلِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ مُتَحَقِّقُ الْحُصُولِ، فَإِنَّهُ إنْ أَدَّى، وَإِلَّا عَادَ الْبَاقِي قِنًّا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّزُ عِتْقُ شَيْءٍ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُ ; لِئَلَّا يَتَنَجَّزَ لِلْوَصِيَّةِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَيَتَأَخَّرَ حَقُّ الْوَارِثِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ، أَوْ دَيْنٌ حَاضِرٌ، لَمْ تَتَنَجَّزْ وَصِيَّتُهُ مِنْ الْحَاضِرِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَوْصَى لَهُ بِالْحَاضِرِ، أَخَذَ ثُلُثَهُ فِي الْحَالِ، وَوَقَفَ الْبَاقِي عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، فَقَدْ حَصَلَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُهُ الْحَاضِرُ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَلَمْ يَكْمُلْ لَهُ جَمِيعُ وَصِيَّتِهِ ; لِأَنَّ الْغَائِبَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِحُصُولِهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ بِزِيَادَةِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهَا تَقِفُ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ.