وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَدْبِيرَ الْمُكَاتَبِ صَحِيحٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةِ، وَهُوَ يَمْلِكُ إعْتَاقَهُ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً، فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِإِعْتَاقِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ. فَعِنْدَ هَذَا، إنْ أَدَّى عَتَقَ بِالْأَدَاءِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ، وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ لِلْغِنَى عَنْهُ، وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ. وَإِنْ عَجَزَ، وَفُسِخَتْ الْكِتَابَةُ، بَطَلَتْ كِتَابَتُهُ، وَصَارَ مُدَبَّرًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ. فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ، عَتَقَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَدَائِهِ وَعَجَّزَهُ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ ; لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ عِوَضٌ عَنْهُ، فَإِذَا عَتَقَ نِصْفُهُ، وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ نِصْفُ الْكِتَابَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ الْكِتَابَةُ إلَّا فِي نِصْفِهِ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، كَمَا لَوْ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ بِعَجْزِهِ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، فَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ بَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَعَتَقَ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ. يُحَقِّقُهُ أَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُزِيلُهُ، وَإِنَّمَا الْحَادِثُ مُزِيلٌ لِمِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ، فَيَبْقَى مِلْكُهُ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ.
(8786) فَصْلٌ: إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ: مَتَى عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ تَحْدُثُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ اخْتِلَافًا فِيمَا مَضَى. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ. فَلَا كَلَامَ، وَإِنَّ قُلْنَا: يَصِحُّ. فَمَتَى عَجَزَ بَعْدَ الْمَوْتِ، صَارَ حُرًّا بِالصِّفَةِ، فَإِنْ ادَّعَى الْعَجْزَ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ، لَمْ يَعْتِقْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَعْجِزُ عَنْهُ. وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِ نَجْمِهِ، وَمَعَهُ مَا يُؤَدِّيه، لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَصَدَّقَهُ الْوَرَثَةُ، عَتَقَ، وَإِنْ كَذَّبُوهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ وَعَجَّزَهُ، فَإِذَا حَلَفَ عَتَقَ.
وَإِذَا عَتَقَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، كَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ، إنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابَتُهُ فُسِخَتْ ; لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْكِتَابَةُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ، وَالْحُرِّيَّةُ تَحْصُلُ بِأَوَّلِ وُجُودِهِ، فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ، فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ لَهُ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ. وَمُقْتَضَى قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنْ تَبْطُلَ كِتَابَتُهُ، وَيَكُونَ مَا بِيَدِهِ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ.
(8787) فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ، عَتَقَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِوَى الْمُكَاتَبِ مِائَتَانِ، وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ مِائَةٌ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ دُونَ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ. وَلَوْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةً، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، اعْتَبَرْنَا مَالَ الْكِتَابَةِ، وَنَفَذَ الْعِتْقُ، وَيُعْتَبَرُ الْبَاقِي مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَا أَدَّى مِنْهَا. وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْأَقَلَّ ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَهِيَ قِيمَةُ مَا أُتْلِفَ بِالْإِعْتَاقِ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ مَا اسْتَقَرَّ