وَلَنَا، أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ} . لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} . فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ.
وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {آيَتُك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّك كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} فَأَمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ. وَلِأَنَّ مَا لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَا يَحْنَثُ بِهِ خَارِجًا مِنْهَا، كَالْإِشَارَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا. وَإِنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ، فَقَالَ: {اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} . يَقْصِدُ الْقُرْآنَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ.
(8167) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي بَيْنَ اللَّيَالِي، وَلَا فِي اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: {آيَتُك أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا} . وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ عِبَارَةً عَنْ الزَّمَانَيْنِ جَمِيعًا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} . فَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
(8168) فَصْلٌ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ، فَكَفَلَ بِبَدَنِ إنْسَانٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْمَالَ يَلْزَمُهُ بِكَفَالَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَكْفُولِ بِهِ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بِتَعَذُّرِ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى كَفَالَةً بِالْمَالِ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهَا عَنْهُ، فَيُقَالُ: مَا تَكَفَّلَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا تَكَفَّلَ بِالْبَدَنِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
(8169) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عِبَادَةً بِحُكْمِ اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى يَمِينِهِ: لَا مَنَعَتْك خِدْمَتِي.
فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَمْنَعْهُ، فَيَحْنَثُ، وَعَبْدُ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ ; لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى الْخِدْمَةِ اسْتِخْدَامٌ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْتَخْدِمُ عَبْدَهُ إذَا خَدَمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ، وَلِأَنَّ مَا حَنِثَ بِهِ فِي عَبْدِهِ، حَنِثَ بِهِ فِي غَيْرِهِ، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ ; لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ.
(8170) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ رَجُلٌ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِك. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ يَمِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَتْ ظَرْفًا لِيَمِينِ الثَّانِي. وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينِ مَا يَلْزَمُك، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهَا. قَالَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْكَفَّارَةِ بِهَا لِحُرْمَةِ اللَّفْظِ بِاسْمِ اللَّهِ الْمُحْتَرَمِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ، وَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ، فَقَالَ آخَرُ: يَمِينِي فِي يَمِينِك. يَنْوِي بِهِ، أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينَ مَا يَلْزَمُك، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: وَأَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِك ؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَالَهُ الَّذِي حَلَفَ. لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ ; لِأَنَّ الْكِنَايَةَ