فهرس الكتاب

الصفحة 3534 من 3896

فَصْلٌ: وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ. وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ، أَوْ كَلَّمَهُمْ، فَإِنْ قَصَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، حَنِثَ ; لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُمْ دُونَهُ، لَمْ يَحْنَثْ. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، فَإِذَا نَوَاهُ بِهِ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ. وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ مُكَلِّمٌ لِجَمِيعِهِمْ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الْعُمُومُ، فَيُحْمَلُ عَلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْعَامَّ يَصْلُحُ لِلْخُصُوصِ، فَلَا يَحْنَثُ بِالِاحْتِمَالِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَرْجُوحٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ، كَمَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَجَازَ الَّذِي لَيْسَ بِمُشْتَهِرٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ.

فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِيهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ. وَالثَّانِيَةُ، يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَهُمْ بِسَلَامِهِ، وَهُوَ مِنْهُمْ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي. وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَحْنَثُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ; بِنَاءً عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.

(8164) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ. ثُمَّ وَصَلَ يَمِينَهُ بِكَلَامِهِ، مِثْلَ أَنْ قَالَ: فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، أَوْ فَاذْهَبْ. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْنَثُ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ بِالْقَلِيلِ ; لِأَنَّ هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ يَمِينُهُ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا الْقَلِيلَ كَلَامٌ مِنْهُ لَهُ حَقِيقَةً، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ يَمِينِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ، وَلِأَنَّ مَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا فَصَلَهُ، يَحْنَثُ بِهِ إذَا وَصَلَهُ، كَالْكَثِيرِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي خِطَابًا مُسْتَأْنَفًا. قُلْنَا: هَذَا الْخِطَابُ مُسْتَأْنَفٌ، غَيْرُ الْأَوَّلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ حَنِثَ بِهِ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّ قَرِينَةَ صِلَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ بِيَمِينِهِ، تَدُلُّ عَلَى إرَادَة كَلَامٍ يَسْتَأْنِفُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذَا الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ حَقِيقَةً. وَإِنْ نَوَى كَلَامًا غَيْرَ هَذَا، لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا فِي الْمَذْهَبَيْنِ.

(8165) فَصْلٌ: وَإِنْ صَلَّى بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إمَامًا، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ، لَمْ يَحْنَثْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَحْنَثُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ السَّلَامَ عَلَى الْحَاضِرِينَ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ، كَتَكْبِيرِهَا، وَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْحَاضِرِينَ بِسَلَامِهِ وَاجِبَةً فِي السَّلَامِ. وَإِنْ اُرْتُجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.

(8166) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، لَمْ يَحْنَثْ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَرَأَ خَارِجًا مِنْهَا، حَنِثَ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ اللَّهِ. وَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ - تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ.

وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ ; سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ} . وَقَالَ {كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت