يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، حَنِثَ ; لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: إنَّ الْكِتَابَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ.
فَلَمْ يَجْعَلْهُ كَلَامًا، إنَّمَا قَالَ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إذَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَإِذَا أَطْلَقَ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْنَثَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْحَالِفِ هَذِهِ الْيَمِينَ قَصْدُ تَرْكِ الْمُوَاصَلَةِ، فَتَعَلَّقَ يَمِينُهُ بِمَا يُرَادُ فِي الْغَالِبِ، كَقَوْلِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(8160) فَصْلٌ: وَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; قَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي الْإِفْهَامِ، وَالثَّانِي لَا يَحْنَثُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ {: فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا} . إلَى قَوْلِهِ: {فَأَشَارَتْ إلَيْهِ} .
وَقَالَ فِي زَكَرِيَّا {: آيَتُك أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} . إلَى قَوْلِهِ: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} . وَلِأَنَّ الْكَلَامَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِشَارَةِ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ شَيْءٌ مَسْمُوعٌ، وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ} وَالْإِشَارَةُ بِخِلَافِ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا} . قُلْنَا: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا، وَصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ، فَيُقَالُ: مَا كَلَّمَهُ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إلَيْهِ.
(8161) فَصْلٌ: فَإِنْ كَلَّمَ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، بِقَصْدِ إسْمَاعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ زِيَادًا، فَلَمَّا أَرَادَ زِيَادٌ الْحَجَّ، جَاءَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى قَصْرِ زِيَادٍ فَدَخَلَ فَأَخَذَ بُنَيًّا لِزِيَادٍ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي ; إنَّ أَبَاكَ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَلَعَلَّهُ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ، فَيَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا النَّسَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ. ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لَهُ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ قَاصِدًا لِإِسْمَاعِهِ وَإِفْهَامِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَبَهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إيَّاكِ أَعْنِي فَاسْمَعِي يَا جَارَة
(8162) فَصْلٌ: فَإِنْ نَادَاهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ، فَلَمْ يَسْمَعُ، لِتَشَاغُلِهِ، أَوْ غَفْلَتِهِ، حَنِثَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا، فَنَادَاهُ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَسْمَعُ ؟ قَالَ: يَحْنَثُ. لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ، وَهَذَا لِكَوْنِ ذَلِكَ يُسَمَّى تَكْلِيمًا، يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَسْمَعْ. وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، أَوْ غَائِبًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ أَصَمَّ لَا يَعْلَمُ بِتَكْلِيمِهِ إيَّاهُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِنِدَاءِ الْمَيِّتِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَهُمْ وَنَادَاهُمْ، وَقَالَ: {مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ} .
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} . وَلِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ حَوَاسُّهُ، وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ، فَكَانَ أَبْعَدَ مِنْ السَّمَاعِ مِنْ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ، لِبَقَاءِ الْحَوَاسِّ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَامَةً لَهُ، وَأَمْرًا اخْتَصَّ بِهِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.