فهرس الكتاب

الصفحة 3536 من 3896

لَا تَعْمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ لَمْ يَحْلِفْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ مِنْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا، فَحَلَفَ الْمَقُولُ لَهُ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُ الْقَائِلِ، وَإِنْ كَانَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَا يُكَنَّى عَنْهُ.

وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فِيمَنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي. أَنَّهُ إنْ عَرَفَهَا، وَنَوَى جَمِيعَ مَا فِيهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا. وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَكُونُ فِيهَا وَجْهَانِ.

(8171) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ: كُنْت عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ، فَقَالَ: لَسْت أُفْتِي فِيهَا بِشَيْءٍ، وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْيَمِينِ. قَالَ: وَكَانَ أَبِي، رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي أَبَا عَلِيِّ - يَهَابُ الْكَلَامَ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْحَالِفُ بِهَا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَيْمَانِ. فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: عَرَفَهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَأَيْمَانُ الْبَيْعَةِ هِيَ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ يَسْتَحْلِفُ بِهَا عِنْدَ الْبَيْعَةِ وَالْأَمْرِ الْمُهِمِّ لِلسُّلْطَانِ.

{وَكَانَتْ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ} ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ. فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهَا ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ، وَالْكِنَايَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَصِحّ أَنْ يَنْوِيَهُ. وَإِنْ عَرَفَهَا، وَلَمْ يَنْوِ عَقْدَ الْيَمِينِ بِمَا فِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

وَمَنْ عَرَفَهَا، وَنَوَى الْيَمِينَ بِمَا فِيهَا، صَحَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ بِهَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَمَا عَدَا الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ، فَقَالَ الْقَاضِي هَاهُنَا: تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ الْمَنْوِيَّةِ، كَيَمِينِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ بِالْكِنَايَةِ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِيهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الْمُحْتَرَمِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت