كَافِرٌ الدُّخُولَ إلَيْهِ، مُنِعَ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مِيرَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ، خَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ، وَلَمْ يُتْرَكْ هُوَ يَدْخُلُ.
وَإِنْ كَانَ رَسُولًا إلَى إمَامٍ بِالْحَرَمِ، خَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ رِسَالَتَهُ، وَيُبَلِّغُهَا إيَّاهُ. فَإِنْ قَالَ: لَا بُدَّ لِي مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ، وَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ، خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ، فَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ عَالِمًا بِالْمَنْعِ عُزِّرَ، وَإِنْ دَخَلَ جَاهِلًا، نُهِيَ وَهُدِّدَ. فَإِنْ مَرِضَ بِالْحَرَمِ أَوْ مَاتَ، أُخْرِجَ وَلَمْ يُدْفَنْ بِهِ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَعْظَمُ. وَيُفَارِقُ الْحِجَازَ مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّ دُخُولَهُ إلَى الْحَرَمِ حَرَامٌ، وَإِقَامَتَهُ بِهِ حَرَامٌ، بِخِلَافِ الْحِجَازِ. وَالثَّانِي، أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْحَرَمِ سَهْلٌ مُمْكِنٌ، لِقُرْبِ الْحِلِّ مِنْهُ، وَخُرُوجَهُ مِنْ الْحِجَازِ فِي مَرَضِهِ صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ. وَإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ، إلَّا أَنْ يَصْعُبَ إخْرَاجُهُ ; لِنَتِنِهِ وَتَقَطُّعِهِ.
وَإِنْ صَالَحَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ بِعِوَضٍ (أَهْل الْكِتَاب) ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ. فَإِنْ دَخَلُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ، لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ الْعِوَضُ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ اسْتَوْفُوا مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ. وَإِنْ وَصَلُوا إلَى بَعْضِهِ، أُخِذَ مِنْ الْعِوَضِ بِقَدْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ مَا اسْتَوْفَوْا لَا قِيمَةَ لَهُ، وَالْعَقْدُ لَمْ يُوجِبْ الْعِوَضَ، لِكَوْنِهِ بَاطِلًا.
(7692) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَسَاجِدُ الْحِلِّ، فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْلِمِينَ (أَهْل الْكِتَاب) ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَصُرَ بِمَجُوسِيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَنَزَلَ، وَضَرَبَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ أَبْوَابِ كِنْدَةَ. فَإِنْ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا، جَازَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَأَنْزَلَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: قَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَدْخُلُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ. وَقَدِمَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، لِيَفْتِكَ بِهِ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ بِحَالٍ ; لِأَنَّ أَبَا مُوسَى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ كِتَابٌ قَدْ كُتِبَ فِيهِ حِسَابُ عَمَلِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اُدْعُ الَّذِي كَتَبَهُ لِيَقْرَأَهُ. قَالَ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شُهْرَةِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَتَقَرُّرِهِ عَنَدَهُمْ. وَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ يَمْنَعُ الْمُقَامَ فِي الْمَسْجِدِ، فَحَدَثُ الشِّرْكِ أَوْلَى.
(7693) فَصْلٌ: وَالْمَأْخُوذُ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ ; أَحَدُهَا، مَا لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِهِ وَهُوَ شَيْئَانِ ; الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ. فَإِنْ أَخَلَّ بِذِكْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. وَفِي مَعْنَاهُمَا تَرْكُ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ، فَذِكْرُ الْمُعَاهَدَةِ يَقْتَضِيه. الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ ثَمَانِي خِصَالٍ، ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ ذِكْرُ رَبِّهِمْ أَوْ كِتَابِهِمْ أَوْ دِينِهِمْ أَوْ رَسُولِهِمْ بِسُوءٍ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ، مَا فِيهِ إظْهَارُ مُنْكَرٍ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ ; إحْدَاثُ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، وَرَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ بِكُتُبِهِمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِظْهَارُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالضَّرْبُ بِالنَّوَاقِيسِ، وَتَعْلِيَةُ الْبُنْيَانِ عَلَى أَبْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِقَامَةُ