فهرس الكتاب

الصفحة 3334 من 3896

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَنَّهُ قَالَ: أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ} . فَأَمَّا إخْرَاجُ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْهُ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا، فَنَقَضُوا عَهْدَهُ. فَكَأَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أُرِيدَ بِهَا الْحِجَازُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حِجَازًا، لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ. وَلَا يُمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ أَطْرَافِ الْحِجَازِ، كَتَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَحْوِهِمَا ; لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ.

(7690) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ ; لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّجِرُونَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَتَاهُ شَيْخٌ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، وَإِنَّ عَامِلَك عَشَرَنِي مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ. وَكَتَبَ لَهُ عُمَرُ، أَنْ لَا يُعْشَرُوا فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. وَلَا يَأْذَنُ لَهُمْ فِي الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُقِيمُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ حَدَّ مَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ.

وَالْحُكْمُ فِي دُخُولِهِمْ إلَى الْحِجَازِ فِي اعْتِبَارِ الْإِذْنِ، كَالْحُكْمِ فِي دُخُولِ أَهْلِ الْحَرْبِ دَارَ الْإِسْلَامِ. وَإِذَا مَرِضَ بِالْحِجَازِ، جَازَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِانْتِقَالُ عَلَى الْمَرِيضِ، وَتَجُوزُ الْإِقَامَةُ لِمَنْ يُمَرِّضُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ (الْمَرِيض مِنْ أَهْل الْكِتَاب) . وَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ حَالًّا، أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ لِمَطْلٍ، أَوْ تَغَيَّبَ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَكِّنَ مِنْ الْإِقَامَةِ، لِيَسْتَوْفِيَ دِينَهُ ; لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي إخْرَاجِهِ ذَهَابُ مَالِهِ.

وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْإِقَامَةِ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيه لَهُ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ، وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْإِقَامَةِ لِيَبِيعَ بِضَاعَتَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ ; لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَهَا أَوْ حَمْلَهَا مَعَهُ ضَيَاعَ مَالِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ بِالْبَضَائِعِ إلَى الْحِجَازِ، فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهُمْ، وَتَلْحَقُهُمْ الْمَضَرَّةُ، بِانْقِطَاعِ الْجَلَبِ عَنْهُمْ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعُ مِنْ الْإِقَامَةِ ; لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ بُدًّا. فَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إلَى مَكَان آخَرَ مِنْ الْحِجَازِ، جَازَ، وَيُقِيمُ فِيهِ أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَرْبَعَةً، عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَكَان آخَرَ، جَازَ، وَلَوْ حَصَلَتْ الْإِقَامَةُ فِي الْجَمِيعِ شَهْرًا. وَإِذَا مَاتَ بِالْحِجَازِ دُفِنَ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَقْلُهُ، وَإِذَا جَازَتْ الْإِقَامَةُ لِلْمَرِيضِ، فَدَفْنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى.

(7691) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحَرَمُ، فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ بِحَالٍ. (أَهْل الْكِتَاب) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُمْ دُخُولُهُ كَالْحِجَازِ كُلِّهِ، وَلَا يَسْتَوْطِنُونَ بِهِ، وَلَهُمْ دُخُولُ الْكَعْبَةِ وَالْمَنْعُ مِنْ الِاسْتِيطَانِ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ وَالتَّصَرُّفَ، كَالْحِجَازِ.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} يُرِيدُ: ضَرَرًا بِتَأْخِيرِ الْجَلْبِ عَنْ الْحَرَمِ دُونَ الْمَسْجِدِ.

وَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْحَرَمِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} . وَإِنَّمَا أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ. وَيُخَالِفُ الْحِجَازَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْهُ مَعَ إذْنِهِ فِي الْحِجَازِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ وَالْيَهُودُ بِخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحِجَازِ، وَلَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَلِأَنَّ الْحَرَمَ أَشْرَفُ، لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ وَالْمُلْتَجِئُ إلَيْهِ، فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ.

فَإِنْ أَرَادَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت